القاهرة – علياء الهواري
في لحظة إقليمية تزداد فيها حدة التوتر وتتشابك فيها خيوط السياسة مع الحسابات العسكرية، تبدو المنطقة وكأنها تسير فوق حافة دقيقة بين التصعيد والانفجار. لم يعد الصراع مجرد مواجهة تقليدية بين أطراف واضحة، بل تحول إلى شبكة معقدة من المصالح والتوازنات التي تتحكم فيها قوى دولية وإقليمية وفق حسابات تتجاوز حدود الجغرافيا.
في هذا السياق، يطرح السفير يوسف زادة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، قراءة عميقة للمشهد، كاشفًا ما وراء الخطاب المعلن، ومؤكدًا أن ما يجري لا يُدار فقط بالسلاح، بل عبر منظومة متشابكة من الضغوط السياسية والأدوات الاقتصادية وإدارة النفوذ.
يرى زادة أن فهم التحركات الأمريكية يبدأ من تحليل شخصية دونالد ترامب، الذي لا ينتمي إلى المدرسة التقليدية في إدارة السياسة الخارجية، بل يتعامل بعقلية رجل الأعمال، حيث تُقاس القرارات بمعادلة الربح والخسارة.
ويؤكد أن هذا النهج يفسر ميل واشنطن إلى استخدام أدوات الضغط بدلًا من الانخراط في حروب مفتوحة، مشيرًا إلى أن الخطاب الحاد الذي تبناه ترامب لم يكن عشوائيًا، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية وفرض نمط جديد من إدارة القوة قائم على كسر الأعراف الدبلوماسية.
يستبعد زادة سيناريو المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في المدى القريب، مؤكدًا أن واشنطن تدرك كلفة هذا الخيار، وتفضل إدارة الصراع عبر أدوات بديلة، تقوم على الضغط الاقتصادي، والتحركات السياسية، والتصعيد العسكري المحدود.
ويصف هذه الاستراتيجية بأنها “حرب استنزاف ذكية”، تستهدف إنهاك الخصم دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل
ويشير إلى أن القرار الأمريكي لا يُصنع داخل البيت الأبيض فقط، بل يخضع لتوازنات معقدة بين مؤسسات الدولة، إلى جانب تأثير جماعات الضغط، وعلى رأسها القوى الداعمة لـإسرائيل، التي تلعب دورًا بارزًا في توجيه السياسات، خاصة في ملفات الشرق الأوسط.
وعن الداخل الإسرائيلي، يوضح زادة أن البعد الديني حاضر بقوة في الخطاب السياسي، لكنه يُستخدم كأداة لتعزيز المشروع السياسي، وليس كدافع وحيد له.
ويؤكد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التوظيف، حيث يعتمد على الرمزية الدينية لتعزيز شرعيته داخليًا، وضمان تماسك قاعدته السياسية، رغم التحولات الفكرية داخل المجتمع الإسرائيلي.
يعترف زادة بقدرات إسرائيل الاستخباراتية، خاصة في تنفيذ عمليات نوعية داخل العمق الإيراني، لكنه يحذر من التقليل من قدرات إيران، التي تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على التحصين الجغرافي والعسكري.
ويكشف أن طهران طورت منظومة دفاعية معقدة، تشمل منشآت عسكرية تحت الأرض داخل مناطق جبلية، ما يجعل استهدافها بالغ الصعوبة، إلى جانب امتلاكها أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وعلى صعيد الدور المصري، يؤكد زادة أن مصر تنتهج سياسة دقيقة تقوم على إدارة التوازنات، بهدف احتواء التوترات ومنع التصعيد، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران.
ويصف العلاقة مع طهران بأنها “حذر إيجابي”، يقوم على تجنب الصدام دون الانخراط في محاور، بما يحفظ المصالح الاستراتيجية المصرية.
كما يشير إلى أن إسرائيل تدرك جيدًا كلفة أي تصعيد مع مصر، وهو ما يدفعها إلى التعامل بحسابات دقيقة تراعي ثقل القاهرة الإقليمي.
في ختام قراءته، يرى زادة أن المنطقة لا تتجه نحو حرب شاملة، بل نحو حالة من “التوازن الهش”، حيث يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، بين تصعيد محسوب واحتواء حذر، في معادلة معقدة لا تحكمها القوة العسكرية وحدها، بل توازنات السياسة والاقتصاد.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الحسابات في كبح الانفجار… أم أن المنطقة تقترب من لحظة تتجاوز فيها كل الخطوط الحمراء؟

