برق غزة / فلسطين
حوار علياء الهواري
في زمنٍ تتداخل فيه الحرب مع السردية، والسياسة مع اللغة، لم تعد الأسئلة الفلسطينية تُطرح من زاوية واحدة، ولم تعد الإجابات قابلة للاختزال.
داخل هذا الاشتباك المركّب، تبرز أصوات فلسطينية تحاول إعادة ترتيب الفهم لا الحدث فقط، ومن بين هذه الأصوات تأتي الإعلامية والكاتبة الفلسطينية وصال أبو عليا، التي تقدم قراءة تتجاوز الوصف إلى تفكيك البنية العميقة للصراع، من موقع المرأة، والسلطة، واللغة، والمعرفة.
في هذا الحوار، لا تُقدَّم الإجابات بوصفها ردودًا مباشرة على أسئلة صحفية، بل كمساحات تفكير ممتدة، تعيد تعريف مفاهيم مثل الصمود، الفعل السياسي، الصحافة، والرواية، في سياق فلسطيني يزداد تعقيدًا واتساعًا.
في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي وتفاقم الاستهداف المباشر للمدنيين، كيف تعيد المرأة الفلسطينية تعريف دورها اليوم..
هل ما زالت في موقع “الصمود” فقط أم أصبحت فاعلًا مركزيًا في صناعة المشهد السياسي والإعلامي؟تقول وصال أبو عليا إن اختزال المرأة الفلسطينية في ثنائية “الصمود أو الفاعلية” لم يعد كافيًا لفهم التحول الجاري، فالمسألة لم تعد مرتبطة بدور اجتماعي أو رمزي، بل بإعادة تشكيل الذات النسوية الفلسطينية بوصفها ذاتًا سيادية على المعنى والفعل في آن واحد.
وترى أن الصمود لم يعد حالة تحمل سلبية كما يُقدَّم في الخطاب التقليدي، بل أصبح “تقنية اشتباك” تُمارَس داخل تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتداخل السياسة مع المعرفة والإدارة والمجتمع في بنية مقاومة واحدة.وتشير إلى أن هذا التحول يتجلى بوضوح في حضور الفلسطينيات داخل مواقع القرار، سواء في المؤسسات الرسمية أو في السلك الدبلوماسي أو في العمل الإداري والحقوقي، حيث لم يعد الدور مقتصرًا على التمثيل الرمزي، بل أصبح إنتاجًا مباشرًا للسياسات.
وتؤكد أن وجود السفيرات الفلسطينيات والقيادات النسوية في المؤسسات الدولية والإعلامية والاقتصادية يعكس تفكيكًا تدريجيًا لاحتكار الذكورة السياسية، وإعادة توزيع للسلطة على أساس القدرة على التأثير لا الموقع فقط، ما يجعل المرأة شريكًا في إعادة تعريف شكل الدولة والفعل الوطني.انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يأتي في لحظة سياسية شديدة التعقيد..
هل هو مؤتمر لإعادة التموضع السياسي أم محاولة لإعادة ضبط البوصلة الوطنية في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى؟ترى أبو عليا أن المؤتمر لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إعادة تموضع سياسي، بل هو محاولة لإعادة امتلاك الفعل السياسي في لحظة ضاغطة، تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الإمكان.
وتوضح أن التحدي الحقيقي يتمثل في ثلاثة مستويات: تعزيز سيادة القرار الوطني، وإنتاج أدوات اشتباك جديدة تجمع بين السياسي والإعلامي والشعبي، ثم إعادة بناء الحركة على أسس تنظيمية أكثر مرونة وقدرة على التفاعل مع المجتمع.
وتضيف أن المرحلة الحالية تتطلب تحولًا من “رد الفعل” إلى “صناعة المسار”، بحيث تصبح الفصائل السياسية قادرة على إنتاج أدواتها بدل الاكتفاء بالتكيف مع الواقع المفروض.الصحفي الفلسطيني لم يعد يواجه فقط تحدي نقل الخبر، بل معركة بقاء مهني وإنساني..
كيف يمكن للكتابة الصحفية أن تظل فعل مقاومة لا مجرد توثيق في ظل استهداف مباشر للميدان ولمن ينقله؟تؤكد أبو عليا أن الصحافة الفلسطينية خرجت من إطار المهنة التقليدية إلى مساحة مواجهة مباشرة، حيث أصبح الصحفي جزءًا من خط التماس، لا مجرد ناقل للخبر.
وتوضح أن الكتابة الصحفية في السياق الفلسطيني لم تعد توثيقًا محايدًا، بل فعل إثبات للوجود وللحدث معًا، في مواجهة محاولات محو الحقيقة أو تحويلها إلى أرقام مجردة.وترى أن جوهر الكتابة هنا يكمن في إنتاج ذاكرة مقاومة تحفظ التفاصيل والأسماء والسياقات، وتمنع تحويل الجريمة إلى سردية غامضة أو قابلة للتشكيك.
وتضيف أن هذا النوع من الصحافة يتحول أيضًا إلى أرشيف قانوني مؤجل، حيث يمكن استخدامه لاحقًا في المساءلة الدولية، ما يجعل كل نص صحفي جزءًا من ملف اتهام محتمل ضد الانتهاكات.
بين ضغط الاحتلال من جهة، والتجاذبات الداخلية من جهة أخرى، أين يقف هامش الاستقلال المهني للصحافة الفلسطينية اليوم؟ وهل ما زال ممكنًا الحديث عن “حياد صحفي” في بيئة مشتعلة؟تطرح أبو عليا سؤال الحياد بوصفه إشكالية بنيوية في السياق الفلسطيني، معتبرة أن الحديث عن حياد مطلق في بيئة استهداف مباشر هو طرح خارج السياق.
وتشير إلى أن الاستقلال المهني لا يعني الانفصال عن الواقع، بل القدرة على إنتاج معرفة دقيقة ومسؤولة لا تقع في فخ التسييس المفرغ أو التحييد الزائف.
وتؤكد أن الصحافة الفلسطينية تتحرك داخل مساحة ضيقة بين الضغط السياسي والأمني من جهة، والتجاذبات الداخلية من جهة أخرى، لكنها رغم ذلك تحافظ على دورها بوصفها أداة توثيق ومساءلة في آن واحد.
في ظل صراع الروايات عالميًا، هل تعتقدين أن المعركة الأخطر اليوم ما زالت على الأرض، أم انتقلت إلى النص والصورة واللغة التي تُكتب بها فلسطين أمام العالم؟ترى أبو عليا أن الصراع لم يعد ثنائيًا بين أرض ولغة، بل أصبح تداخلًا عضويًا بين إنتاج الحدث وإنتاج معناه.
وتوضح أن الأرض تنتج الوقائع، لكن اللغة تحدد كيف يُفهم هذا الواقع، وهل يُعترف به أم يُعاد تأويله ضمن سرديات مهيمنة.
وتضيف أن أخطر ما في الصراع الحالي هو تحويل اللغة إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة، عبر تغيير المصطلحات وتفريغها من دلالاتها السياسية، بحيث يصبح الاحتلال “نزاعًا”، والقتل “أحداثًا”، والتهجير “تداعيات”.
وترى أن المعركة الحقيقية اليوم هي على تعريف فلسطين نفسها: كيف تُرى، كيف تُروى، وكيف تُحفظ في الوعي العالميفي هذا الحوار، لا تقدم وصال أبو عليا إجابات جاهزة، بل تفتح مساحات تفكير تتقاطع فيها السياسة مع اللغة، والمرأة مع الدولة، والصحافة مع الذاكرة.
فلسطين هنا ليست فقط جغرافيا تحت الصراع، بل أيضًا مساحة لإعادة إنتاج المعنى، حيث تتحول كل إجابة إلى محاولة لفهم عالم يُعاد تشكيله تحت النار والنص في آن واحد.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

