برق غزة /مصر
بحوار : علياء الهواري
في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، تتسارع التحولات السياسية والعسكرية من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى بحر الصين الجنوبي، بينما تتشابك ملفات الحرب والاقتصاد والطاقة والممرات البحرية في مشهد يبدو أقرب إلى إعادة تشكيل للنظام الإقليمي والدولي.
وفي ظل تصاعد التوتر الأمريكي – الإيراني، والقلق من مستقبل غزة، والتحركات العسكرية المصرية الأخيرة في الخليج، تزداد الأسئلة حول ما إذا كانت المنطقة تقف بالفعل على أعتاب انفجار واسع أو خرائط جديدة تُرسم بالقوة.
في هذا الحوار، يكشف الباحث في الاقتصاد السياسي رؤوف حسين رؤيته لمستقبل المنطقة، واحتمالات الحرب في الخليج وبحر الصين، ومصير نتنياهو، ومستقبل القضية الفلسطينية، وأبعاد التحركات المصرية في الخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى قراءته للمشهد السوداني والإثيوبي ومحاولات تمدد الجماعات المتطرفة في إفريقيا.
بداية.. كيف قرأتَ إرسال مصر لمفرزة من مقاتلات الرافال ومنظومات دفاع جوي إلى الخليج رغم الحديث سابقًا عن عدم إخراج قوات مصرية للخارج؟ما جرى لا يعني أن مصر تخلّت عن عقيدتها العسكرية التقليدية، وإنما أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي.
فالقاهرة باتت ترى أن التهديدات لم تعد مرتبطة فقط بالحدود الجغرافية، بل تمتد إلى البحر الأحمر والخليج والقرن الإفريقي.
لذلك فإن إرسال مقاتلات “رافال” وأنظمة دفاع جوي يحمل رسائل ردع استراتيجية مرتبطة بحماية الملاحة والطاقة والتوازنات الإقليمية.
وهل يمكن أن تنخرط مصر في مواجهة مباشرة مع إيران؟لا أعتقد ذلك. العقيدة العسكرية المصرية قائمة على “الدفاع النشط” وليس خوض حروب استنزاف بعيدة.
مصر تدرك أن أي مواجهة شاملة مع إيران ستكون مكلفة على الجميع، ولذلك يظل الدور المصري أقرب إلى الردع الدفاعي وتأمين الملاحة والتنسيق الاستخباراتي، وليس الدخول في حرب مفتوحة.
وهل يمكن أن تنخرط مصر في مواجهة مباشرة مع إيران؟لا أعتقد ذلك. العقيدة العسكرية المصرية قائمة على “الدفاع النشط” وليس خوض حروب استنزاف بعيدة.
مصر تدرك أن أي مواجهة شاملة مع إيران ستكون مكلفة على الجميع، ولذلك يظل الدور المصري أقرب إلى الردع الدفاعي وتأمين الملاحة والتنسيق الاستخباراتي، وليس الدخول في حرب مفتوحة.
ولماذا خرجت هذه القوات دون نقاش برلماني واسع؟لأن الدولة غالبًا ما تصنف هذه التحركات باعتبارها تعاونًا دفاعيًا أو انتشارًا محدودًا، وليس إعلان حرب رسميًا.
وبالتالي تتحرك السلطة التنفيذية سريعًا في الملفات الأمنية الحساسة دون الحاجة إلى إجراءات تشريعية طويلة، خاصة مع طبيعة التهديدات المتسارعة. السودان اتهم الإمارات وإثيوبيا بالتورط في استهدافه.. كيف تقرأ ذلك؟السودان أصبح ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي مفتوح.
الاتهامات لا تعكس أزمة عابرة، بل تكشف عن تنافس حاد على البحر الأحمر والموارد والموانئ والنفوذ العسكري. والخطر بالنسبة لمصر يتجاوز الداخل السوداني، لأن أي تفكك في السودان يهدد الأمن المائي والتوازنات المرتبطة بسد النهضة والحدود الجنوبية.
ماذا عن القمة الأمريكية – الصينية؟ وهل العالم يقترب من حرب في بحر الصين؟العالم يعيش بالفعل حربًا باردة جديدة، لكنها تكنولوجية واقتصادية أكثر منها عسكرية مباشرة. الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد تجاريًا فقط، بل يتعلق بقيادة النظام العالمي نفسه.
وحتى الآن، تظل احتمالات الحرب المباشرة منخفضة بسبب التشابك الاقتصادي الضخم، لكن سباق النفوذ البحري والعسكري يتصاعد بشكل واضح.
وهل تنهي المفاوضات الأمريكية – الإيرانية أجواء الحرب؟المفاوضات لا تنهي الحرب بقدر ما تؤجلها أو تديرها. المنطقة تدخل مرحلة “إدارة التصعيد” وليس السلام الكامل.
هناك تفاهمات جزئية وهدن مؤقتة، لكن حروب الوكلاء والحروب السيبرانية ستظل مستمرة. هل المنطقة على أعتاب حدث جلل..
انهيار دولة أو تقسيم أخرى؟لا توجد مؤشرات واضحة على انهيار دولة خليجية، لكن المنطقة تمر بأكبر إعادة تشكيل منذ غزو العراق.
الخطر الحقيقي يتركز في السودان واليمن ولبنان والعراق، بينما تبدو دول الخليج أكثر تماسكا اقتصاديًا وأمنيًا مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات. هل تنجح المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية هذه المرة؟قد تنجح في إنتاج تهدئة أو تفاهمات حدودية، لكن السلام الكامل لا يزال بعيدًا.
فملف سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني والعقيدة الأمنية الإسرائيلية يجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.
هل انتهى عمليًا الحديث عن الدولة الفلسطينية؟القضية الفلسطينية تمر بأسوأ مراحلها، لكن الحديث عن انتهائها غير دقيق.
صحيح أن مشروع حل الدولتين يتراجع ميدانيًا، لكن القضية لا تزال حاضرة سياسيًا وديموغرافيًا وقانونيًا، وهناك تحولات داخل الرأي العام الغربي بدأت تضغط على إسرائيل ولو بصورة تدريجية.
هل نحن أمام نهاية سياسية لبنيامين نتنياهو؟نتنياهو يواجه أخطر أزماته السياسية. هناك غضب داخلي واسع، وانقسامات أمنية وسياسية، وانتقادات مرتبطة بإدارة الحرب وملفات الفساد.
ورغم قدرته الكبيرة على المناورة، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد نهاية تدريجية لعصره السياسي. هل الممرات التجارية الجديدة تهدد قناة السويس؟حتى الآن لا توجد ممرات قادرة على استبدال قناة السويس بالكامل.
القناة تظل المسار البحري الأسرع والأكثر جاهزية. لكن الخطر الحقيقي يتمثل في اضطرابات البحر الأحمر والهجمات على الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين، وهي عوامل أثرت بالفعل على الإيراداتإلى أي مدى قد تستمر الاستفزازات الإثيوبية تجاه مصر والسودان؟
إثيوبيا تتحرك وفق مشروع إقليمي طويل المدى لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي وحوض النيل. هي تستغل حالة السيولة الأمنية الحالية لفرض الأمر الواقع سواء في ملف سد النهضة أو التمدد نحو البحر الأحمر، ولذلك من المرجح استمرار الضغوط الإثيوبية خلال السنوات المقبلة.
أخيرًا.. هل تحمل محاولات إسقاط مالي بيد تنظيمات مرتبطة بالقاعدة رسائل خطيرة؟بالتأكيد. ما يحدث في مالي يؤكد أن منطقة الساحل الإفريقي تتحول إلى بؤرة الفوضى الجديدة بعد العراق وسوريا.
انسحاب القوى الغربية خلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه التنظيمات المتطرفة، وهو ما يهدد الأمن العربي والإفريقي معًا، خاصة عبر الهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح وتمدد الجماعات المسلحة.كيف يمكن تلخيص المشهد الإقليمي الحالي؟
نحن أمام شرق أوسط وإفريقيا يُعاد تشكيلهما بالكامل، ليس فقط عبر الحروب التقليدية، وإنما أيضًا عبر الاقتصاد والتحالفات والسيطرة على الممرات البحرية وإدارة الفوضى.
وفي قلب هذه التحولات، تحاول مصر الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وعدم الانجرار إلى حروب مفتوحة، في لحظة تُعاد فيها كتابة خرائط النفوذ بسرعة غير مسبوقة.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

