برق غزة ـ علياء الهواري
تمرد الحريديم يكشف هشاشة حكومة نتنياهو من الداخل
كتبت علياء الهواري
لم يعد الانقسام داخل إسرائيل مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة
المشهد هذه المرة بدا أكبر من ذلك بكثير
دولة كاملة تدخل في صراع مع نفسها بينما الحرب مستمرة والجيش يصرخ طلبًا للمزيد من الجنود والشارع يغرق في الغضب والاحتجاجات
داخل الكنيست لم يكن التصويت الأخير مجرد إجراء برلماني عادي
بل بدا وكأنه لحظة اعتراف جماعي بأن إسرائيل تعيش واحدة من أخطر أزماتها الداخلية منذ سنوات طويلة
110 أصوات دفعة واحدة وضعت حكومة بنيامين نتنياهو أمام مشهد سياسي مرتبك ومهتز بينما تحولت قضية تجنيد الحريديم من ملف مؤجل إلى قنبلة انفجرت داخل قلب الائتلاف الحاكم
المفارقة أن إسرائيل التي تقدم نفسها دائمًا باعتبارها دولة عسكرية تعتمد على التجنيد الإجباري تجد نفسها اليوم عاجزة عن إجبار عشرات الآلاف من الحريديم على دخول الجيش
بل إن الأحزاب الدينية لا تكتفي برفض التجنيد وإنما تهدد بإسقاط الحكومة إذا تم فرض الخدمة العسكرية على طلاب المدارس الدينية
الأزمة في ظاهرها قانونية لكنها في حقيقتها أخطر بكثير
لأنها كشفت الصراع الحقيقي داخل المجتمع الإسرائيلي بين دولة تريد الاستمرار كقوة عسكرية وبين تيار ديني يعتبر أن دراسة التوراة أهم من القتال نفسه
وبينما يسقط الجنود في غزة وعلى الحدود اللبنانية يرفض آلاف الحريديم ارتداء الزي العسكري أصلًا
منذ بداية الحرب واجه الجيش الإسرائيلي أزمة متصاعدة في أعداد الجنود خصوصًا مع طول أمد العمليات العسكرية والاستدعاءات المتكررة لقوات الاحتياط
التقارير الإسرائيلية نفسها تحدثت عن نقص حاد في القوى البشرية وعن إنهاك واضح داخل الوحدات العسكرية بعد شهور طويلة من القتال المتواصل
وهنا عاد ملف الحريديم إلى الواجهة بعنف
داخل الشارع الإسرائيلي بدأ السؤال يظهر بشكل غاضب
لماذا يذهب أبناء الطبقة الوسطى والعلمانيون إلى الجبهات بينما يبقى أبناء الأحزاب الدينية في المدارس الدينية بعيدًا عن الحرب
ولماذا تتحمل عائلات كاملة عبء القتال والخسائر بينما يحصل آخرون على إعفاء دائم باسم الدين
هذا الغضب الشعبي وضع نتنياهو في مأزق معقد للغاية
فهو يدرك أن الجيش يحتاج إلى الحريديم لكنه يعرف أيضًا أن حكومته قائمة أساسًا على دعم الأحزاب الدينية المتشددة
وأي محاولة لفرض التجنيد بالقوة قد تدفع تلك الأحزاب إلى الانسحاب وإسقاط الائتلاف بالكامل
لهذا حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية اللعب على الوقت
مرة يعد الحريديم بحلول وسط ومرة يرسل رسائل طمأنة للجيش ومرة يحاول تأجيل التصويت
لكن الأزمة كانت أكبر من المناورة
لأنها هذه المرة تمس جوهر الدولة نفسها
إسرائيل تعيش الآن واحدة من أكثر لحظاتها تناقضًا
دولة تخوض حربًا مفتوحة وتقول إنها تواجه تهديدات وجودية لكنها عاجزة عن الاتفاق على من يجب أن يحمل السلاح
وهو تناقض يضرب الصورة التقليدية التي حاولت الحكومات الإسرائيلية تصديرها لعقود باعتبار أن المجتمع الإسرائيلي موحد خلف الجيش
الحقيقة التي ظهرت مؤخرًا تقول العكس تمامًا
المجتمع الإسرائيلي يبدو اليوم منقسمًا بصورة غير مسبوقة
هناك معسكر علماني غاضب يرى أن الحريديم يعيشون على حساب الدولة دون أن يدفعوا ثمن الحرب
وفي المقابل ترى الأحزاب الدينية أن محاولات فرض التجنيد تستهدف هويتهم الدينية وطريقتهم في الحياة
المشهد داخل الكنيست عكس هذا الانقسام بوضوح
الصراخ والاتهامات والتهديدات لم تعد مجرد مناوشات سياسية
بل تحولت إلى حالة من الفوضى السياسية الحقيقية
حتى إن بعض وسائل الإعلام العبرية وصفت البرلمان الإسرائيلي بأنه يعيش حالة شلل كاملة
المعارضة استغلت اللحظة بسرعة
فهي تدرك أن نتنياهو يمر بأضعف مراحله السياسية منذ سنوات
الرجل الذي قدم نفسه دائمًا باعتباره السيد الأقوى في إسرائيل بات محاصرًا من كل الاتجاهات
احتجاجات الشارع لم تتوقف
ملف الأسرى ما زال يلاحقه
أزمات الحرب تتصاعد
والآن جاءت أزمة الحريديم لتفتح جبهة جديدة داخل بيته السياسي نفسه
الأخطر أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط ببقاء الحكومة أو سقوطها
بل تتعلق بشكل إسرائيل القادم
هناك خوف حقيقي داخل الأوساط السياسية والعسكرية من أن تتحول قضية التجنيد إلى شرخ دائم داخل المجتمع الإسرائيلي
خاصة مع تزايد أعداد الحريديم بشكل مستمر وهو ما يعني أن الأزمة مرشحة للتفاقم أكثر في السنوات المقبلة الجيش الإسرائيلي يدرك هذه الحقيقة جيدًا
ولهذا تتزايد الضغوط من داخل المؤسسة العسكرية لفرض التجنيد على الجميع دون استثناء
لكن تنفيذ ذلك على الأرض يبدو شبه مستحيل سياسيًا
لأن الأحزاب الدينية تمتلك قدرة هائلة على الابتزاز السياسي وتعرف أن أي حكومة إسرائيلية تحتاج إليها للبقاء
وهنا يظهر السؤال الأخطر
هل أصبحت إسرائيل رهينة لتحالفاتها الدينية
وهل يمكن لدولة تعتمد على القوة العسكرية أن تستمر بينما جزء كبير من مجتمعها يرفض الخدمة أصلًا
بعض المحللين الإسرائيليين بدأوا يتحدثون بصراحة عن انهيار فكرة العقد الاجتماعي داخل إسرائيل
فكرة أن الجميع يخدم في الجيش ويدفع الثمن نفسه بدأت تتفكك أمام الواقع الجديد
وهذا ما يفسر حجم الغضب الحالي داخل الشارع الإسرائيلي
حتى داخل عائلات الجنود ظهرت أصوات غاضبة تتحدث عن التمييز وعدم العدالة
أمهات الجنود القتلى والمصابين يتساءلن لماذا يدفع أبناؤهن الثمن وحدهم
ولماذا تتحول الحرب إلى عبء تتحمله فئة واحدة بينما تبقى فئات أخرى خارج المعادلة
وسط كل هذا يبدو نتنياهو وكأنه يقف فوق أرض تتشقق تحت قدميه
الرجل الذي نجح لسنوات في إدارة التوازنات السياسية المعقدة بات عاجزًا عن إرضاء الجميع
إذا خضع للحريديم سيخسر الشارع والجيش
وإذا واجههم قد يخسر حكومته بالكامل
ولهذا لم تعد الأزمة مجرد معركة حول قانون
بل أصبحت معركة على هوية إسرائيل نفسها
هل هي دولة دينية تحكمها الأحزاب المتشددة
أم دولة عسكرية حديثة تفرض الواجبات نفسها على الجميع
اللافت أن هذه الأزمة جاءت في توقيت شديد الحساسية
إسرائيل تخوض حربًا مفتوحة وتعيش توترًا أمنيًا غير مسبوق ومع ذلك ينشغل قادتها بصراع داخلي يهدد بإسقاط الحكومة وربما الذهاب إلى انتخابات جديدة
كثيرون داخل إسرائيل يرون أن ما يحدث الآن أخطر من مجرد أزمة سياسية عابرة
لأن الدولة التي كانت تحاول دائمًا إظهار نفسها كجبهة موحدة تبدو اليوم ممزقة من الداخل
والخلاف هذه المرة ليس على ميزانية أو حقيبة وزارية بل على سؤال وجودي يتعلق بمن يحارب ومن يملك حق البقاء خارج الحرب
في النهاية قد ينجو نتنياهو لبعض الوقت وقد ينجح في تأجيل الانفجار السياسي مجددًا
لكن المؤكد أن أزمة الحريديم كشفت شيئًا لم يعد ممكنًا إخفاؤه
إسرائيل التي تظهر بالخارج كدولة قوية تعيش في الداخل حالة تفكك حقيقية
والكنيست الذي كان يفترض أن يكون رمز الاستقرار السياسي تحول فجأة إلى ساحة صراع مفتوحة بين جيش يريد جنودًا وأحزاب دينية ترفض إرسال أبنائها إلى الحرب

