برق غزة / فلسطين
كتب نور الهدي ابو عودة
لم تكن المسافة بين جنين وخان يونس سوى امتدادٍ لوجع فلسطيني واحد، ولم يكن الفارق بين القصتين سوى أعوام قليلة، بينما بقي المشهد ذاته يتكرر: عريس يستعد لزفافه، فتسبقه رصاصات الاحتلال إلى الموت.
في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، استيقظ مخيم جنين شمال الضفة الغربية على خبر استشهاد الشاب فاروق سلامة (29 عاماً)، قبل أيام قليلة من موعد زفافه.
كان كل شيء قد أُعدّ للاحتفال؛ بطاقات الدعوة وُزعت، وبرنامج الفرح اكتمل، فالجمعة خُصصت للسهرة، والسبت للعشاء، والأحد ليكون يوم الزفاف.
لكن عند دوار العودة في مخيم جنين، أطلقت قوات الاحتلال النار على فاروق خلال اقتحامها المنطقة، فأصابته بعدة رصاصات في البطن والصدر والرأس، ليرتقي شهيداً قبل أن يصل إلى المستشفى.

وفي مشهد بقي حاضراً في ذاكرة الفلسطينيين، زفّت والدته ابنها الشهيد كما يُزف العريس، مرددةً أهازيج الفرح الفلسطينية: “عريسنا حلو.. لا تقولوا عنه أسمر”، لتتحول مراسم الزفاف المنتظرة إلى وداع أخير لعريس لم يصل إلى ليلة عرسه.
وبعد نحو أربعة أعوام، عاد المشهد ذاته ليتكرر في قطاع غزة، لكن هذه المرة في مدينة خان يونس.
ففي السادس من حزيران/يونيو 2026، استشهد الشاب مهند عثمان فروانة (25 عاماً) في اليوم الذي كان من المفترض أن يكون يوم زفافه.

ساعات قليلة فقط كانت تفصل بين تداول دعوة الزفاف بين الأهل والأصدقاء وبين انتشار خبر استشهاده إثر غارة إسرائيلية استهدفت منزل عائلته في شارع الزيني وسط المدينة.
كان مهند قد أكمل استعداداته الأخيرة، وجهّز خيمة عرسه التي انتظر أن تجمعه بعروسه في بداية حياة جديدة. إلا أن الصاروخ الذي استهدف المنزل حوّل صباح الزفاف إلى مأتم، وحوّل رسائل التهاني إلى رسائل تعزية.

وصل جثمانه إلى مستشفى ناصر الطبي، فيما أُصيب عدد من المواطنين جراء القصف. وسرعان ما انتشرت صورته وكرت دعوة زفافه على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول الدعوة التي أعلنت عن موعد الفرح إلى وثيقة حزن توثق رحيل عريس قبل ساعات من زفافه.

وقال أصدقاء مقربون من مهند إنهم التقوه قبل ساعات من استشهاده، مؤكدين أن كل ترتيبات العرس كانت جاهزة، وأنه كان ينتظر يومه مثل أي شاب يحلم بتأسيس أسرته وبداية حياة جديدة.
بين فاروق سلامة في جنين ومهند فروانة في خان يونس، تتشابه التفاصيل رغم اختلاف المكان والزمان. كلاهما كان يستعد لارتداء بدلة الزفاف، وكلاهما حمل أحلاماً بسيطة تشبه أحلام آلاف الشباب الفلسطينيين، لكن الاحتلال حوّل موعد الفرح إلى موعد للفقد.
ففي جنين زُفّ فاروق شهيداً قبل أيام من عرسه، وفي خان يونس زُفّ مهند شهيداً في صباح يوم زفافه.
وبين القصتين أعوام من الزمن، لكن الوجع بقي واحداً، وكأن فلسطين ما زالت تكتب الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة، لعريسين جمعهما حلم الحياة وفرّقتهما آلة الحرب، ليبقى المشهد الممتد بين الضفة وغزة شاهداً على فرحٍ مؤجل ووطنٍ يودع أبناءه في أكثر لحظاتهم انتظاراً للحياة.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

