برق غزة / وكالات
كتبت علياء الهواري
تحولت مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم إلى أكثر من مجرد مواجهة كروية، بعدما أثارت صور رفع علم إسرائيل داخل المدرجات، إلى جانب الجدل الذي تبع تصريحات المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، موجة واسعة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، امتزج فيها الرياضي بالسياسي، والرمزي بالتاريخي.
ورغم أن كرة القدم بطبيعتها ساحة للتنافس الرياضي، فإنها كثيرًا ما تتحول إلى مساحة تعكس الصراعات والرموز والهويات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية مثل فلسطين، التي لا تزال حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من الجماهير العربية.
وسط هذا الجدل، يبرز سؤال تاريخي قديم: لماذا ارتبط المشروع الصهيوني بفلسطين تحديدًا؟الإجابة لا تبدأ من ساحات القتال، بل من صفحات كتاب حمل عنوان “دولة اليهود”، نشره تيودور هرتزل عام 1896، ووضع فيه التصور الفكري لإقامة وطن قومي لليهود.
المثير في هذا الكتاب أن فلسطين لم تكن الخيار الوحيد الذي طرحه هرتزل، بل وضع إلى جانبها الأرجنتين باعتبارها أحد البدائل الممكنة. واعتبرها دولة واسعة المساحة، خصبة الأراضي، قليلة السكان في ذلك الوقت، بما يسمح باستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين.
هذه الحقيقة التاريخية تكشف أن المشروع الصهيوني مرّ في بداياته بمرحلة البحث عن الموقع الأنسب، وأن اختيار فلسطين لم يكن أمرًا محسومًا منذ اللحظة الأولى، بل جاء في سياق تداخل اعتبارات دينية وسياسية واستراتيجية، ثم وجد دعمه لاحقًا في المشروع الاستعماري البريطاني، الذي تُوج بإعلان بلفور عام 1917، قبل أن يتحول إلى واقع على الأرض خلال العقود التالية.
ومن هنا، فإن استحضار الأرجنتين في مباراة الأمس لا يتعلق بإسقاطات سياسية على حدث رياضي، بقدر ما يفتح الباب لاستعادة فصل مهم من تاريخ الحركة الصهيونية، قد لا يعرفه كثيرون.
فالجدل الذي صاحب رفع علم إسرائيل داخل المدرجات أعاد إلى الواجهة حساسية الرموز السياسية في الفضاء الرياضي، وأثبت أن الرياضة لا تنفصل دائمًا عن القضايا الكبرى، خاصة في المنطقة العربية، حيث ما تزال القضية الفلسطينية تمثل معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
كما أن التفاعل الكبير مع تصريحات حسام حسن كشف أن أي إشارة ترتبط بإسرائيل أو فلسطين، حتى وإن جاءت في سياق رياضي، سرعان ما تتجاوز حدود الملعب لتدخل دائرة النقاش السياسي والإعلامي.
لكن الأهم من ذلك أن قراءة التاريخ تمنحنا منظورًا أوسع. فحين ندرك أن فلسطين كانت أحد الخيارات التي ناقشها مؤسس الحركة الصهيونية، ندرك أيضًا أن مسار التاريخ لم يكن حتميًا، بل تشكل عبر قرارات سياسية دولية وموازين قوى وتحالفات استعمارية، كان لها أثر بالغ في رسم خريطة المنطقة.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يطرحها الجدل الأخير: أن الأحداث اليومية، مهما بدت عابرة، قد تدفعنا أحيانًا إلى إعادة قراءة الوثائق المؤسسة للتاريخ الحديث، وفهم جذور الصراع بعيدًا عن الانفعال اللحظي.فالمباريات تنتهي مع صافرة الحكم، لكن التاريخ يبقى مفتوحًا على الأسئلة، وتظل الوثائق والكتب هي الشاهد الأصدق على كيف بدأت الحكاية، ولماذا وصلت إلى ما هي عليه اليوم.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

