يونس صلاح – برق غزة
لم تعد الأزمات في قطاع غزة مرتبطة فقط بالغذاء والدواء والمياه والوقود، بل امتدت إلى تفاصيل يومية تبدو بسيطة في الحياة الطبيعية، من بينها القداحات (الولّاعات)، التي أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة في ظل القيود المفروضة على إدخال العديد من السلع إلى القطاع.
بالنسبة للكثير من سكان غزة، قد تبدو القداحة شيئًا هامشيًا، لكنها بالنسبة لآلاف الأسر جزء من الاستخدام اليومي؛ لإشعال مواقد الطهي، أو إشعال الحطب، أو استخدام وسائل الإنارة البديلة في ظل أزمة الكهرباء والوقود.
قداحة مفقودة.. ومعاناة إضافية
في غزة، لم يعد المواطن يبحث فقط عن الطعام أو الماء، بل أصبح مضطرًا للسؤال عن أبسط الأدوات التي يحتاجها في حياته اليومية.
ويقول أحد سكان القطاع: “كنا نشتري القداحة من أي محل وبسعر بسيط، أما اليوم فأصبح العثور عليها مشكلة بحد ذاتها.”
وتزداد المعاناة عندما تلجأ العائلات إلى وسائل بديلة للطهي والتدفئة، إذ تصبح الحاجة إلى وسيلة لإشعال النار أمرًا يوميًا، خصوصًا في المناطق التي تعاني من انقطاع الكهرباء ونقص مصادر الطاقة.
من سلعة بسيطة إلى أزمة
الأزمة لا تتوقف عند غياب القداحات من الأسواق، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار البدائل المتوفرة، ما يضيف عبئًا جديدًا على عائلات تعاني أصلًا من تراجع قدرتها الشرائية.
وقد يضطر المواطن إلى البحث في أكثر من متجر للحصول على قداحة، أو الاستعانة بوسائل بديلة لإشعال النار، في مشهد يعكس حجم النقص الذي وصلت إليه الأسواق في القطاع.
وهنا تكمن المفارقة: حين يصبح الحصول على قداحة تحديًا، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد تطال الاحتياجات الأساسية فقط، بل وصلت إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
تفاصيل صغيرة.. وجع كبير
يرى سكان غزة أن أزمة القداحات ليست أزمة سلعة بحد ذاتها، بقدر ما هي انعكاس لحالة أوسع من النقص والحصار والقيود على حركة البضائع.
فالمواطن الذي يقف أمام متجر بحثًا عن قداحة، هو نفسه المواطن الذي يبحث عن غاز للطهي، ومياه للشرب، ودواء لعائلته، ووقود لتشغيل وسيلة نقل أو مولد كهرباء.
وبذلك تتحول القداحة من أداة صغيرة لا يلتفت إليها أحد في الحياة الطبيعية إلى رمز لمعاناة أكبر، عنوانها أن حتى الأشياء التي اعتاد الناس اعتبارها متوفرة وبسيطة أصبحت تحتاج إلى رحلة بحث ومعاناة للحصول عليها.
غزة.. حيث التفاصيل تحكي قصة الحرب
في الحياة الطبيعية، لا تستحق القداحة خبرًا. أما في غزة، فقد أصبحت جزءًا من قصة يومية طويلة عن نقص الاحتياجات وصعوبة الوصول إلى السلع.
وبين رفوف المتاجر الفارغة، والأسعار المرتفعة، وطوابير المواطنين، تتكشف صورة مختلفة للمعاناة؛ صورة لا تظهر فقط في حجم الدمار، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تغيّرت حياة الناس بسببها.
فحين يصبح المواطن عاجزًا عن الحصول على قداحة لإشعال نار الطهي، فإن المسألة تتجاوز أداة صغيرة؛ إنها شهادة جديدة على حجم الأزمة التي يعيشها قطاع غزة، وعلى كيف يمكن للحرب والقيود أن تجعل أبسط متطلبات الحياة اليومية مصدرًا جديدًا للقلق والمعاناة.

