بقلم: يونس صلاح
في غزة، لا يكفي أن تدخل قوة خاصة إلى منطقة فلسطينية، ولا يكفي أن يخرج الاحتلال بعد ساعات ليعلن أن العملية كانت «ناجحة» حتى يتحول الفشل إلى نجاح، أو أن يصبح القصف الذي رافق العملية شهادة انتصار. فالحروب لا تُقاس بما تقوله البيانات العسكرية، بل بما تكشفه الوقائع على الأرض.
ما جرى اليوم يحمل مفارقة أكثر وضوحًا مما يحاول الاحتلال إظهاره. فبحسب الرواية الفلسطينية، تمكنت المقاومة من كشف القوة الخاصة المتسللة إلى المنطقة، والاشتباك معها مباشرة، الأمر الذي جعل العملية تتحول من مهمة خاطفة يفترض أن تنفذ بصمت إلى مواجهة ميدانية احتاج خلالها الاحتلال إلى تكثيف الغطاء الناري لتأمين القوة المتوغلة.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت العملية دليلًا على التفوق الاستخباري المطلق، فكيف كُشفت القوة المتسللة؟ وإذا كانت المهمة محكمة كما يحاول الاحتلال تصويرها، فلماذا تحولت إلى اشتباك واضطر الاحتلال إلى استخدام القصف لتغطية تحرك قواته؟
لكن ما هو أخطر من تفاصيل العملية نفسها هو المكان الذي اختار الاحتلال تنفيذها فيه.
فالعملية وقعت وسط منطقة مكتظة بالمدنيين، وفي بيئة يعيش فيها الفلسطينيون تحت ظروف إنسانية كارثية، ما جعل استخدام القوة النارية الكثيفة يحمل ثمنًا باهظًا على المدنيين. وسقط خلال الأحداث شهداء، بينهم أطفال أبرياء، لا علاقة لهم بالعملية ولا بالاشتباك.
وهنا لا يعود السؤال عسكريًا فقط.
ما حدث يضع أمام العالم سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا: هل يمكن أن تتحول حياة المدنيين إلى مجرد هامش في عملية عسكرية؟ وهل يصبح قتل الأطفال والمدنيين «ثمنًا جانبيًا» عندما يريد الاحتلال تحقيق هدف أمني؟
إن تحويل المناطق المكتظة بالسكان إلى ساحات عمليات عسكرية، ثم التعامل مع الضحايا المدنيين باعتبارهم أرقامًا في بيانات لاحقة، يكشف الوجه الأكثر قسوة للحرب.
فالطفل الذي ارتقى اليوم لم يكن هدفًا عسكريًا.
والمدني الذي وجد نفسه وسط القصف لم يكن جزءًا من القوة المتسللة.
والعائلة التي فقدت أبناءها لا يعنيها كثيرًا أن يخرج وزير حرب الاحتلال ليعلن أن العملية كانت «إنجازًا».
بالنسبة إليها، لم يكن هناك إنجاز.
كان هناك بيت فقد أطفاله، وأم فقدت ابنًا، وأب يبحث عن أثر لعائلته وسط الركام.
وهنا تتجاوز القضية حدود الرواية الإسرائيلية والفلسطينية حول نجاح العملية أو فشلها. فحتى لو أراد الاحتلال تقديم الاعتقال باعتباره نجاحًا أمنيًا، فإن ذلك لا يمحو الكلفة الإنسانية التي رافقت العملية، ولا يمنح القصف في منطقة مكتظة بالمدنيين حصانة من المساءلة.
ثم تعود المفارقة الأكبر: كل اختراق أمني يتحول إلى نصر، وكل اعتقال يصبح إنجازًا استراتيجيًا، وكل اغتيال يقدم باعتباره ضربة قاضية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة فوق رؤوس جمهور الاحتلال: أين الأسرى؟ أين الحسم؟ وأين النهاية التي وُعد بها؟
لقد احتفظت المقاومة بالأسرى الإسرائيليين لأكثر من عامين، رغم التفوق العسكري والاستخباري الهائل الذي يمتلكه العدو الصهيوني، ورغم القصف المتواصل والعمليات البرية والاستخبارية الواسعة.
ومع ذلك، فشل الاحتلال في الوصول إليهم بالقوة.
لم تكن الطائرات كافية.
ولا الدبابات.
ولا وحدات النخبة.
ولا التفوق الاستخباري.
وفي النهاية، كان الطريق إلى استعادة الأسرى يمر عبر صفقة وتفاوض ووساطة.
وهذه الحقيقة وحدها تكشف حدود القوة التي يتفاخر بها الاحتلال.
فإذا كان العدو الصهيوني قادرًا على الوصول إلى كل هدف متى شاء، فلماذا احتاج أكثر من عامين ولم يتمكن من استعادة أسراه بالقوة؟
وإذا كان التفوق العسكري يعني الحسم، فلماذا انتهى ملف الأسرى إلى طاولة التفاوض؟
هنا تظهر المفارقة التي يحاول وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس إخفاءها خلف الاحتفال بالعملية.
قد تكون العملية نجاحًا تكتيكيًا في الوصول إلى هدف محدد، لكن تحويلها إلى انتصار استراتيجي هو محاولة للهروب من الأسئلة الأكبر.
فالانتصار لا يُقاس باعتقال شخص.
ولا يُقاس بعدد الغارات.
ولا بعدد المباني التي دُمرت.
ولا بقدرة قوة خاصة على التسلل إلى منطقة ثم الاشتباك تحت النار.
الانتصار يُقاس بتحقيق الأهداف الكبرى التي أعلنتها القيادة السياسية والعسكرية.
والاحتلال لم يستطع، طوال أكثر من عامين، أن يفرض المعادلة التي أرادها على ملف الأسرى.
بل إن المقاومة احتفظت بهم، وحولت هذا الملف إلى ورقة تفاوضية، حتى أصبح التفاوض والصفقات جزءًا أساسيًا من طريق استعادتهم.
ومن هنا تأتي المقارنة مع ما جرى في فنزويلا، لا باعتبار الحدثين متطابقين، وإنما باعتبارهما يطرحان سؤالًا عن منظومات الحماية والأمن: ماذا يعني أن تتمكن قوة من الوصول إلى شخصية يفترض أنها محمية بأشد الإجراءات الأمنية؟
السؤال نفسه، وإن اختلفت الظروف، يظل حاضرًا في غزة: كيف يمكن لجيش يصف نفسه بأنه صاحب اليد الطولى استخباريًا أن يسمح بتسلل قوة إلى منطقة ثم كشفها والاشتباك معها؟
هذه ليست صورة جيش يملك السيطرة المطلقة.
إنها صورة حرب معقدة، تتداخل فيها الاستخبارات بالميدان، والقوة بالنار، والنجاح التكتيكي بالفشل الاستراتيجي.
والأخطر أن المدنيين يدفعون الثمن.
فحين تقع العمليات في مناطق مكتظة، تصبح مسؤولية حماية المدنيين ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جوهرًا في تقييم أي عملية عسكرية. وما جرى اليوم، مع سقوط أطفال ومدنيين، يجعل الحديث عن «الإنجاز» دون الحديث عن الضحايا نوعًا من محو الجانب الأكثر قسوة في المشهد.
إن الطفل الذي ارتقى لا يمكن أن يكون رقمًا في هامش بيان عسكري.
ولا يمكن أن يصبح القصف الذي حصد أرواح الأبرياء مجرد غطاء لنجاح عملية.
ولا يمكن لاحتفال سياسي أن يمحو دماء المدنيين.
لقد حاول الاحتلال طوال الحرب أن يجعل القوة معيار الحقيقة.
لكن غزة قدمت معيارًا آخر: القوة تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع أن تفرض روايتها على كل شيء.
قد يستطيع الاحتلال اعتقال شخص.
وقد يستطيع اغتيال آخر.
وقد يستطيع تدمير حي كامل.
لكن ذلك كله لا يعني أنه استطاع إنهاء المقاومة، ولا يعني أنه استطاع فرض النهاية التي يريدها.
وإذا كانت المقاومة قد كشفت القوة المتسللة واشتبكت معها، وإذا كانت قد احتفظت بالأسرى لأكثر من عامين، وإذا اضطر الاحتلال في النهاية إلى الصفقات والتفاوض لاستعادتهم، فإن الحديث عن «الحسم» يحتاج إلى أكثر من بيان.
يحتاج إلى نتائج.
وهذه النتائج هي التي لم تستطع حكومة الاحتلال تقديمها حتى الآن بالصورة التي وعدت بها جمهورها.
الاحتلال يستطيع أن يكتب في بياناته ما يشاء.
ووزير حرب الاحتلال يستطيع أن يسمي العملية «إنجازًا».
لكن الميدان لا يجامل.
والدم الفلسطيني ليس تفصيلًا.
والأطفال الذين ارتقوا اليوم ليسوا هامشًا في قصة عسكرية.
والحرب لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها الحكومات، بل بما تتركه خلفها من نتائج ودمار وحقائق.
قد يربح الاحتلال عملية، وقد يرفع كاتس راية «الإنجاز»، لكن من يعجز عن صناعة النهاية، ويدفع المدنيين ثمن عملياته، لا يستطيع أن يختصر الحرب كلها في صورة انتصار.
