يونس صلاح- برق غزة
لم تكن الأعراس الفلسطينية قديمًا مجرد ليلة لزفاف عروسين، بل كانت حكاية فرح تمتد إلى أيام، وتجمع أهل الحارة والقرية والأقارب والجيران في مشهد يعكس أصالة المجتمع الفلسطيني وتكافله.
كانت البداية من الجاهة، حين يجتمع رجال العريس ويتوجهون إلى بيت العروس لطلب يدها، وسط القهوة العربية والترحيب والزغاريد، ثم تأتي الخطوبة، لتبدأ بعدها الاستعدادات للعرس.
وقبل موعد الزفاف، كانت ليلة الحناء من أجمل المحطات، تجتمع فيها النساء حول العروس، وهي ترتدي ثوبها الفلسطيني المطرز، وتتعالى الزغاريد والأغاني الشعبية، بينما تُزيّن يداها بالحناء في أجواء عائلية دافئة.
أما يوم العرس، فكانت الحارة تتحول إلى ساحة فرح. الرجال يتجمعون للدبكة على أنغام المجوز والشبابة واليرغول، وتُردد الأهازيج الشعبية، بينما تنطلق الزفة وسط التصفيق والزغاريد.
ومن الأغاني التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية الفلسطينية «يا ظريف الطول» و«عالروزنا»، إلى جانب عشرات الأهازيج التي كانت تختلف كلماتها وألحانها بين قرية وأخرى ومدينة وأخرى.
وكانت العروس الفلسطينية تظهر بثوبها المطرز، الذي لم يكن مجرد لباس للزينة، بل يحمل في تطريزه هوية المكان وذاكرة المرأة الفلسطينية، فيما كان العريس يرتدي ملابس شعبية أو الزي المتعارف عليه في منطقته.
ولم تكن حفلات الأمس بحاجة إلى قاعات فاخرة أو تجهيزات ضخمة؛ كانت ساحة البيت، ودار العائلة، وصوت الزغاريد، ودبكة الرجال، وقهوة الأهل، وصينية الحلوى كافية لصناعة فرح يبقى في الذاكرة.
ومع مرور الزمن، تغيرت طقوس الزواج، فأصبحت القاعات وحفلات الزفاف الحديثة والتصوير والموسيقى المعاصرة جزءًا أساسيًا من المشهد، لكن كثيرًا من العائلات الفلسطينية ما زالت تحرص على الاحتفاظ بالجاهة والحناء والزفة والدبكة والثوب الفلسطيني.
وبين عرس الأمس وعرس اليوم، تبقى الحكاية واحدة: فلسطينيون يصنعون الفرح من أبسط التفاصيل، ويحملون عادات أجدادهم من جيل إلى جيل.
فأعراس فلسطين القديمة لم تكن مجرد احتفال بالزواج، بل كانت موسمًا للفرح والتكافل، وذاكرةً شعبيةً تحفظ الأغنية واللباس والدبكة والعادات، وتروي للأجيال كيف كان الفرح الفلسطيني يومًا يسكن كل بيت وحارة.

