ترجمة: علياء الهواري_ برق غزة
فجّر الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» موجة جديدة من الجدل داخل إسرائيل، بعدما فتح الباب أمام شهادات صادمة لعناصر من الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، كشفت جانبًا من الآليات التي أدارت بها دولة الاحتلال حربها الدموية على قطاع غزة.
الفيلم، الذي عُرض في مهرجان فينيسيا السينمائي، لا يستند هذه المرة إلى روايات فلسطينية أو تقارير صادرة عن منظمات حقوقية، بل يعتمد على شهادات أشخاص كانوا جزءًا من المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية نفسها، وتحدثوا عن عمليات اختيار الأهداف وتنفيذ الضربات الجوية واستخدام التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في إدارة الحرب.
وبحسب ما عرضه الفيلم، فإن منظومة الحرب الإسرائيلية اعتمدت بشكل متزايد على قواعد بيانات وأنظمة تقنية لتحليل المعلومات وتحديد الأشخاص والمواقع التي يمكن تحويلها إلى أهداف عسكرية، في ظل تساؤلات خطيرة حول حجم التدخل البشري في اتخاذ قرار القصف، ومدى مراعاة وجود المدنيين في المناطق المستهدفة.وتكشف شهادات المشاركين عن واقع مختلف عن الرواية الرسمية التي حاولت إسرائيل الترويج لها طوال أشهر الحرب، إذ يتحدث بعضهم عن منظومة ضخمة لإنتاج الأهداف بوتيرة متسارعة، وتحويل البيانات والمعلومات الاستخباراتية إلى قرارات ميدانية قد تنتهي خلال لحظات بضربة جوية جديدة على قطاع غزة.
ويحمل عنوان الفيلم نفسه دلالة مثيرة للجدل، إذ يرتبط بمصطلحات تستخدم داخل المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية لتقدير حجم الخسائر المدنية المتوقعة أثناء تنفيذ الضربات، ما يعيد إلى الواجهة السؤال الأخطر: إلى أي مدى كانت إسرائيل تعلم مسبقًا حجم الضحايا المدنيين قبل تنفيذ هجماتها؟ولم يتأخر جيش الاحتلال في الرد على الفيلم، حيث سارع إلى نفي الاتهامات الواردة فيه، مؤكدًا أن القرارات العسكرية لا تتخذ بواسطة الذكاء الاصطناعي وحده، وأن العنصر البشري يظل حاضرًا في عملية اتخاذ القرار.
لكن هذا النفي لم ينجح في إخماد الجدل، خاصة أن خطورة الفيلم لا تكمن فقط فيما كشفه، وإنما في هوية من كشفوه. فهذه المرة جاءت الرواية من داخل إسرائيل نفسها، ومن أشخاص يقولون إنهم كانوا شهودًا أو مشاركين في المنظومة التي أدارت واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع.
وأثار الفيلم غضبًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وسط اتهامات لصناعه بتشويه صورة إسرائيل والجيش في الخارج، وهو ما يعكس حجم القلق الإسرائيلي من تحول شهادات الفيلم إلى مادة يمكن استخدامها في المحافل الدولية والملفات القانونية المتعلقة بالحرب على غزة.
ويبدو أن «نازا» لم يزعج إسرائيل بسبب عرضه في مهرجان سينمائي عالمي فقط، بل لأن الفيلم كسر واحدة من أهم قواعد الرواية الإسرائيلية خلال الحرب: أن إسرائيل هي وحدها من يحدد من هو الضحية ومن هو الجلاد، ومن يروي القصة ومن يملك الحقيقة.فبعد عامين تقريبًا من الحرب، يعود السؤال هذه المرة من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها: كيف اختيرت أهداف غزة؟ ومن اتخذ قرار القتل؟
وهل تحولت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى أدوات تمنح الحرب سرعة أكبر في إنتاج الأهداف والضحايا؟

