يونس صلاح – برق غزة
تعيش غزة مرحلة شديدة القسوة، تتداخل فيها تداعيات الحرب مع هشاشة الهدنة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، فيما لا تزال آثار الدمار حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من المساكن المهدمة إلى الأسواق التي تكافح للبقاء، وصولًا إلى العائلات التي فقدت مصادر دخلها وأفرادًا من أبنائها.
هدنة لا تشبه الحياة الطبيعية
رغم الحديث عن الهدنة، فإن الحياة في غزة لم تستعد طبيعتها. فالخوف ما زال حاضرًا، والدمار يحيط بالسكان، فيما تبقى قدرة العائلات على العودة إلى حياة مستقرة محدودة.
الهدنة بالنسبة للمواطن الغزي لا تعني فقط توقف أصوات القصف، بل تعني الأمان، وفتح الطرق، وعودة الخدمات، وإمكانية العودة إلى المنزل والعمل والدراسة. وهذه العناصر لا تزال بعيدة عن كثير من العائلات التي تعيش بين الخيام والبيوت المتضررة.
اقتصاد ينهك الناس
أثقلت الحرب كاهل الاقتصاد المحلي، وأدت خسارة آلاف الأسر لمصادر دخلها إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وتواجه الأسواق تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة الشرائية وارتفاع أسعار العديد من السلع، بينما يحاول أصحاب المحال والمهن الصغيرة إعادة تشغيل أعمالهم بإمكانات محدودة.
وفي غزة، لم يعد السؤال بالنسبة لكثير من الأسر هو ماذا تريد أن تشتري، بل هل تملك المال لشراء احتياجاتك الأساسية؟
فالأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى البطالة، وتراجع فرص العمل، وتوقف العديد من الأنشطة التجارية والإنتاجية، وتضرر البنية التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد.
الشهداء.. أرقام تخفي خلفها حكايات
وسط هذه الظروف، لا تزال عائلات فلسطينية تدفع ثمن الحرب بفقدان أبنائها.
كل شهيد له اسم وعائلة وذكريات، وكل منزل فقد أحد أفراده يحمل قصة لا تختصرها أرقام نشرات الأخبار.
كما أن وجود جثامين تحت الأنقاض، أو صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة، يضيف فصلًا جديدًا إلى معاناة عائلات تنتظر معرفة مصير أحبائها.
حياة معلقة بين الركام
في الشوارع، يحاول المواطنون استعادة أبسط تفاصيل الحياة. بائع يبحث عن رزقه، وأم تؤمّن احتياجات أطفالها، وشاب يبحث عن عمل، وعائلة تحاول إصلاح ما تبقى من منزلها.
لكن العودة إلى الحياة الطبيعية تحتاج إلى أكثر من الهدوء المؤقت.
تحتاج غزة إلى إعادة إعمار واسعة، وإعادة تشغيل المنشآت الاقتصادية، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وعودة المدارس والمستشفيات إلى العمل بكفاءة، وخلق فرص عمل تمنح الناس القدرة على الاعتماد على أنفسهم.
غزة تريد أن تعيش
بين الهدنة الهشة والاقتصاد المنهك، تقف غزة أمام مرحلة صعبة تحتاج فيها إلى حلول تتجاوز المساعدات الطارئة.
فالمواطن لا يريد أن يبقى منتظرًا لسلة غذائية أو مساعدة مؤقتة؛ يريد منزلًا آمنًا، وعملًا مستقرًا، ومستشفى يعمل، ومدرسة لأطفاله، وحياة لا يخشى فيها فقدان من يحب.
غزة اليوم ليست فقط مدينة تبحث عن النجاة من الحرب، بل مجتمع يحاول أن يستعيد حياته من بين الركام.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول الهدنة إلى بداية حقيقية للحياة، أم تبقى غزة عالقة بين وقفٍ هشّ وواقعٍ اقتصادي وإنساني يزداد قسوة؟
