بقلم: يونس صلاح
لم تكن الكويت في الوعي الفلسطيني والعربي مجرد دولة خليجية بعيدة عن فلسطين، بل ارتبط اسمها تاريخيًا بمواقف سياسية وشعبية داعمة للقضية الفلسطينية، وبخطاب واضح في رفض الاحتلال والتطبيع. ولذلك فإن مجرد عودة الحديث عن احتمال انضمام الكويت إلى مسار التطبيع يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة: ماذا يحدث في المنطقة؟ وهل تتغير مواقف الدول العربية تحت ضغط التحولات السياسية والأمنية؟ وماذا بقي من مشهد غزة ودماء آلاف الشهداء الذين سقطوا خلال الحرب؟
القصة التي عادت إلى الواجهة في سبتمبر/أيلول 2026 لم تبدأ بإعلان كويتي رسمي، وإنما بتصريحات إسرائيلية. فقد تحدث السفير الإسرائيلي لدى الإمارات يوسي شيلي عن احتمال انضمام الكويت إلى «اتفاقات أبراهام» خلال فترة قد تصل إلى ستة أشهر. التصريح أعاد الكويت إلى دائرة التكهنات بشأن الدول العربية التي يمكن أن تدخل مستقبلًا في علاقات رسمية مع إسرائيل. لكن حتى هذه اللحظة، لا يعني هذا التصريح أن الكويت قررت التطبيع أو أعلنت التخلي عن موقفها السابق.
وهنا يجب الفصل بين الخبر المؤكد والتوقع السياسي.
المؤكد أن الحديث الحالي مصدره تصريحات إسرائيلية وتغطيات إعلامية حول احتمال مستقبلي، أما القول إن الكويت «طبّعت» أو «قررت التطبيع» فهو استنتاج لا تدعمه المعلومات المتاحة حتى الآن.
بل إن الصورة القانونية والسياسية داخل الكويت أكثر تعقيدًا. فالكويت لديها منذ عقود تشريعات للمقاطعة، ومن بينها القانون رقم 21 لسنة 1964 بشأن المقاطعة، الذي يحظر أشكالًا واسعة من التعامل مع إسرائيل. كما أن مجلس الأمة الكويتي وافق مؤخرًا من حيث المبدأ على اقتراح بقانون يتعلق بمقاطعة إسرائيل وأحاله إلى اللجنة المختصة.
لكن السؤال الأعمق ليس فقط: هل ستطبع الكويت؟
السؤال الذي يخرج من قلب غزة هو: ماذا تفعل الدماء في حسابات السياسة؟
خلال الحرب على غزة، تحولت فلسطين من قضية سياسية تُناقش في المؤتمرات إلى مأساة إنسانية شاهدها العالم يوميًا. بيوت دُمرت، عائلات فقدت أفرادها، أطفال أصبحوا بلا آباء وأمهات، ومستشفيات ومدارس ومخيمات نزوح تحولت إلى عناوين يومية للمعاناة.
ولهذا فإن أي حديث عن توسيع دائرة العلاقات مع إسرائيل لا يمكن أن يُناقش بمعزل عن سؤال غزة.
ليس المقصود أن الشعوب العربية يجب أن تبقى أسيرة الماضي أو أن العلاقات الدولية لا تتغير. الدول تتحرك وفق مصالحها وأمنها واقتصادها وتحالفاتها، وقد تعيد تقييم سياساتها عندما تتغير الظروف الإقليمية والدولية. لكن المشكلة الأخلاقية والسياسية تظهر عندما يصبح الانتقال من الحرب والدمار إلى العلاقات الطبيعية أمرًا يمكن أن يتم وكأن شيئًا لم يحدث.
أين تذهب ذاكرة الضحايا؟
هذا السؤال لا يعني أن دماء الشهداء يمكن أن تكون ورقة في العلاقات الدولية، وإنما يعني أن أي تحول سياسي كبير في المنطقة يجب أن يضع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في قلب النقاش، لا في هامشه.
الكويت تحديدًا تحمل رمزية خاصة في هذا الملف. فقد أشار تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الكويت لم تكن قد اعترفت بإسرائيل أو انخرطت معها رسميًا، وأن الحكومة الكويتية شاركت في المقاطعة العربية لإسرائيل وأيدت مبادرة السلام العربية. كما وثق التقرير موقف الكويت خلال حرب غزة، بما في ذلك إدانة العمليات العسكرية الإسرائيلية والمطالبة بوقف إطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية.
ومن هنا يصبح الحديث عن «تطبيع كويتي» أكبر من مجرد خبر عابر.
إنه اختبار لمستقبل الموقف العربي من فلسطين.
فبعد سنوات من الحديث عن أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب، جاءت السنوات الأخيرة لتكشف أن الدول العربية ليست كتلة سياسية واحدة، وأن لكل دولة حساباتها الخاصة. بعض الدول اختارت إقامة علاقات مع إسرائيل، وبعضها أبقى على مواقفه الرافضة، فيما بقيت دول أخرى في المنطقة بين الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
والآن، عندما يُطرح اسم الكويت، تعود الذاكرة إلى سؤال آخر: هل نحن أمام تغير حقيقي في الموقف الكويتي، أم أن ما يجري مجرد محاولة إسرائيلية لفتح الباب أمام توقعات جديدة؟
حتى الآن، الأدلة المتاحة لا تكفي للقول إن قرارًا كويتيًا بالتطبيع قد اتخذ.
لكن مجرد طرح الاحتمال بهذه الصورة يكشف حجم التحول الذي تشهده المنطقة.
إسرائيل تريد توسيع دائرة العلاقات العربية معها، وهذا أمر معلن منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020. أما الدول العربية، فتواجه في المقابل حسابات متعددة: الولايات المتحدة، الأمن الإقليمي، إيران، الاقتصاد، التكنولوجيا، الدفاع، والملف الفلسطيني.
وهنا تكمن المفارقة.
كلما ارتفعت قيمة المصالح السياسية، ارتفع معها السؤال عن قيمة المبادئ.
فإذا أصبحت العلاقات بين الدول تُبنى فقط على المصالح، فمن الطبيعي أن تتغير التحالفات. لكن الشعوب لا تنسى بسهولة مشاهد الحرب والقتل والتهجير. والصورة التي خرجت من غزة خلال السنوات الماضية ستبقى جزءًا من الذاكرة العربية، بغض النظر عن تغير الاتفاقيات السياسية.
إن دماء الشهداء لا «تذهب» إلى مكان، ولا يمكن محوها من التاريخ بتوقيع اتفاق.
قد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل المصالح، لكن الذاكرة الفلسطينية ستظل موجودة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح في كل عاصمة عربية ليس فقط: ماذا سنحصل عليه من التطبيع؟
بل أيضًا:
ماذا سيحصل عليه الفلسطيني؟
هل سيؤدي الاتفاق إلى وقف الاحتلال؟
هل سيحمي المدنيين؟
هل يضمن إعادة إعمار غزة؟
هل يفتح طريقًا حقيقيًا نحو دولة فلسطينية؟
هل يوقف الاستيطان؟
هل يحمي القدس والمقدسات؟
هل ينهي الحصار؟
وهل تتحول العلاقات العربية إلى وسيلة ضغط من أجل الحقوق الفلسطينية، أم تصبح العلاقات هدفًا بحد ذاتها؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في مقدمة النقاش.
أما تحويل تصريح سفير إسرائيلي إلى حقيقة سياسية مكتملة، فهو استعجال لا يخدم الحقيقة الصحفية.
الكويت لم تعلن، وفق المعلومات المتاحة حتى الآن، قرارًا رسميًا بالتطبيع.
لكن الجدل الذي أثاره التصريح يستحق المتابعة، لأن المنطقة تقف أمام مرحلة سياسية جديدة، وفلسطين ستكون أمام اختبار آخر: هل تبقى القضية حاضرة في حسابات الدول، أم تتحول مع مرور الوقت إلى ملف ثانوي أمام المصالح والتحالفات؟
من غزة، حيث بقيت آثار الحرب على الجدران والخيام والوجوه، لا يسأل الناس عن أسماء الاتفاقيات بقدر ما يسألون عن شيء أبسط:
ماذا فعل العالم بكل تلك الدماء؟
وهذا السؤال سيظل قائمًا، حتى لو تغيرت الخرائط السياسية، وحتى لو وقعت اتفاقيات جديدة، وحتى لو فتحت سفارات جديدة.
لأن غزة لا تحتاج فقط إلى بيانات تضامن، بل إلى موقف سياسي يترجم الكلام إلى حماية وحقوق وإعمار وعدالة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل يكون أي تطبيع جديد طريقًا لإنهاء معاناة الفلسطينيين، أم مجرد صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية بينما تبقى غزة تحمل جراح الصفحة القديمة؟

