لينا سكيك/برق غزة
هل تستطيع عزيزي القارئ ان تمتنع عن الماء والطعام والكهرباء وأدوات الاتصال لمدة يوم أو يومين ؟
فإجابتك معروفة وهي لا ،، لانه بطبيعة الحال لا يستطيع أي انسان العيش في هذه الحياة دون مقوماتها البسيطة ، ولكن لنقف هنا وتخيل معي ان سكان مدينة غزة لهم أكثر من عام ونصف بلا ماء وطعام وقطعت عنهم الكهرباء وادوات الاتصال لمنعهم عن التواصل مع الأخرين فأنا التي أكتب كنت من ضمن هذه المدينة التي يسودها الظلم والظلام والابادة والقتل والدماء والمجازر والحرمان من أبسط مقومات الحياة من قبل المحتل الغاشم ، فقد تم عزلنا عن الحياة بشكل تام ، انقطعت اخبارنا عن الاقارب والمعارف والاصدقاء ، نرتوي مياه غير صالحة للشرب والتي يسمونها ” مياه مالحة” ، نأكل كمية محدودة جدا من الطعام الذي أوشك على الانتهاء بشكل كامل.
وأما عن ليل غزة فأقول انه من الطبيعي أي انسان على هذه الارض يحب الليل ليجد به الراحة بعد التعب والجلوس مع اسرته والتحدث معهم, ولكن نحن هنا في غزة كنا لا نحب الليل أبدا فكان سماء المدينة يغلفها ظلام دامس ويملأ سكانها خوف وكأبة ولكن خوفهم كان من عيش مرارة الفقدان .
انفجارات عنيفة كان على اثرها تهتز المنازل وكأنه زلازال ، قصف مدفعي وجوي يتبعه دخان اسود كثيف من مكان الاستهداف ، أصوات الشظايا تتناثر في كل مكان ، ثم رائحة البارود والفسفور التي تنتشر في كل ارجاء المنزل ، أصوات الرصاص المتتالية تخترق جسد أحدهم و التي لا تكاد ان تتوقف ، صراخ الأطفال وخوفهم ، احتماء جميع أفراد الاسرة في احد زاويا المنزل لكي لا يتضرر أحد، استهداف المنازل على روؤس ساكنيها وهم نائمون والبعض يخرج أشلاء أو مصابون ومنهم من يفقد أحبته تحت الركام ،اتصالات من الاحتلال تجبر السكان بإخلاء منازلهم، هكذا كانت تمر ليالينا المؤلمة.
وأما عن صباحنا فكنا نستيقظ على أصوات القصف العشوائي الشديد وصراخ أحد الامهات على فقدان ابنها فتقول “لسا ما فرحت في” فالوداع والبكاء مختلف هنا في غزة ، صراخ المصابون بالنجدة من شدة الألم ولكن لا يوجد أحد يسعفهم لان الاحتلال كان يستهدف سيارات الاسعاف ويحاصر المستشفيات فكان المصاب يئن ويئن حتى يستشهد ، الشهداء على الارض لا يستطيع أحد أن ينتشلهم من مكانهم، ،دماء ملطخة في كل مكان ولكن ليست كأي دماء فهي تفوح منها رائحة الشهادة والمقاومة والشجاعة والعزة والكرامة ، وداع اهالي الحي لبعضهم البعض بعد ما قام جيش الاحتلال بإخراجهم من منازلهم بقوة وعنف ونزوحهم الى خيام .
شوارع غزة ومناطقها أصبحت مسرحاً للدمار: ذكريات مدمرة، منازل مهدمة، ومدينة يملؤها الحقد والدمار. هذه ليست أحداثاً من فيلم، بل واقع مرير عاشه أهل غزة، حيث تصلح المشاهد نفسها لتكون في فيلم رعب حقيقي.

