برق غزة/ علياء الهوارى
لم يكن سكان قطاع غزة بحاجة إلى كارثة جديدة. فبعد أشهر من الحرب، والنزوح، والجوع، والحرمان، جاء المنخفض الجوي العاصف ليضيف فصلًا أكثر قسوة إلى كتاب المعاناة المفتوح. أربعة شهداء سقطوا خلال ساعات قليلة، ليس بفعل القصف، بل بسبب البرد، وانهيار الخيام، والظروف المعيشية التي لم تعد تصلح حتى للبقاء على قيد الحياة.
الرياح العاتية التي اجتاحت القطاع مزّقت الخيام البلاستيكية المهترئة، واقتلعت أوتادها من الأرض الطينية، فيما تحولت الأمطار الغزيرة إلى سيول غمرت مراكز الإيواء والمناطق المفتوحة التي لجأ إليها آلاف النازحين هربًا من القصف. ومع انخفاض درجات الحرارة بشكل حاد، وجد الناس أنفسهم مكشوفين تمامًا، بلا مأوى حقيقي، ولا تدفئة، ولا وسائل حماية.
بحسب مصادر طبية، وفقا لقناة الكوفية فإن الشهداء الأربعة قضوا نتيجة ظروف مرتبطة مباشرة بالمنخفض الجوي، بينها انهيار خيام فوق ساكنيها، وحالات اختناق، وانخفاض حاد في حرارة الجسم، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن. موت صامت، بلا انفجار ولا صافرات إنذار، لكنه لا يقل قسوة عن الموت تحت القصف.
في أحد مراكز الإيواء، لفظ طفل أنفاسه بعد ساعات من الارتجاف المستمر. لم يكن هناك حطب، ولا وقود، ولا بطانيات كافية. تقول والدته وهي تحاول احتضانه: كنت أظنه نائمًا من التعب لم يخبرني أحد أن البرد قد يقتل
الخيام التي تُسمّى “ملاجئ” لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي للطبيعة. أقمشة رقيقة، بلا عزل، مثبتة فوق أرض موحلة لا تمنع تسرب المياه ولا تحمي من الرياح. في كثير من المناطق، استيقظ النازحون ليجدوا أنفسهم غارقين في المياه حتى الركب، بينما تبللت الأغطية القليلة التي يملكونها.
المنخفض كشف واقعًا يعرفه الجميع لكن لم يُواجَه بجدية: هذه ليست أماكن صالحة للعيش، لا صيفًا ولا شتاءً. لكنها تحوّلت إلى “الخيار الوحيد” في ظل الدمار الواسع للمنازل والبنية التحتية
مع تزايد الإصابات الناتجة عن البرد، والانهيارات، وحوادث الغرق، واجهت المستشفيات ضغطًا إضافيًا. أقسام الطوارئ استقبلت حالات من انخفاض حرارة الجسم، خصوصًا بين الأطفال الرضع، بينما تعاني المستشفيات أصلًا من نقص حاد في الأدوية، والوقود، والمعدات الطبية.
أطباء تحدثوا عن صعوبة إنقاذ الحالات الحرجة في ظل انقطاع الكهرباء، وعدم توفر وسائل تدفئة داخل الأقسام، ما يجعل مواجهة المنخفض معركة خاسرة منذ بدايتها
لم تتوقف آثار المنخفض عند حدود الخيام والملاجئ. الطرق الترابية تحولت إلى مستنقعات، ما أعاق وصول سيارات الإسعاف والمساعدات. مناطق كاملة باتت شبه معزولة، بينما بقي السكان محاصرين بين المياه والبرد.
في بعض المواقع، اضطر الناس إلى رفع أطفالهم فوق الأكتاف لعبور المياه، فيما فقد آخرون ما تبقى من ممتلكاتهم القليلة: فرش، ملابس، وثائق شخصية، وحتى الطعام
المنخفض العاصف لم يكن مفاجئًا من حيث التوقيت، لكنه كان صادمًا في نتائجه. في غزة، لم تعد الكوارث تحتاج إلى قصف لتقتل، بل يكفي مطر وبرد في ظل حرب، حصار، وواقع إنساني منهار.
ومع توقعات باستمرار المنخفضات خلال الأسابيع المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا: كم شهيدًا آخر يحتاجه العالم ليدرك أن ما يحدث في غزة ليس أزمة طقس، بل كارثة إنسانية كاملة الأركان؟
في قطاع أنهكته الحرب، أصبح البرد عدوًا إضافيًا، يحصد الأرواح بصمت، بينما يقف الناجون في مواجهة السماء… بلا سقف، وبلا حماية، وبلا أمل قريب

