لينا سكيك / وكالة برق غزة
“لم يبقَ لي سوى صوته”
قصة (م.س)… أرملة حرب طاردها العنف بعد النجاة،
في الليلة الأخيرة، لم يكن أحمد يعلم أن كلماته ستتحول إلى وصيّة.
اقترب من زوجته (م.س)، ذات الـ23 عامًا، وحدّق في عينيها طويلًا، كأنه يحاول حفظ ملامحها ، قال لها بصوتٍ خافت:
” من حسن حظّي إني اخترتك زوجة وأم لأولادي… الحياة ضحكت لي أول مرة لما صرتِ شريكة حياتي ، إنتو أغلى إشي بحياتي، ديري بالك على حالك وعلى أطفالنا “
في صباح اليوم التالي، خرج أحمد ليملأ زجاجات الماء؛ رحلة قصيرة اعتاد عليها آلاف الفلسطينيين في ظل انقطاع المياه والحصار. لكن المكان تحول فجأة إلى ساحة موت، دبابات الاحتلال أمطرت المنطقة بوابل من القذائف، واختلطت الأرض بالدم،
لم يعد أحمد ،عاد الخبر وحده.
استُشهد أحمد، وترك خلفه زوجة شابة، وطفلة لا يتجاوز عمرها عامين، ورضيعًا يبلغ من العمر ستة أشهر، لم يتعلّم بعد شكل والده، بل تعلّم الغياب مبكرًا.
لم تكن هذه الخسارة الأولى في حياة (م.س)، ففي بداية الحرب، استُشهد أهلها جميعًا في مجزرة واحدة، أصبحت بلا أب، بلا أم، بلا إخوة ثم بلا زوج. امرأة شابة محاصَرة بالفقد من كل الجهات.
اضطرت للانتقال إلى منزل أهل زوجها مؤقتًا ، كما قيل لها لكن المؤقت تحوّل إلى قيد.
بعد انتهاء عدّتها، بدأت حماتها تراقب أنفاسها: خروجها، عودتها، نظراتها، وحتى هاتفها الشخصي، الذي كانت تفتشه دون إذن، بدافع الخوف كما تقول من أن تتعرّف على رجل آخر، فيذهب أحفادها إلى بيت آخر، أو حضن آخر.
وفي يوم لم تتوقعه، استُدعيت (م.س) للجلوس، وأُبلغت بقرار:
«سنزوّجك بعمر… ابننا الثاني».
كان عمر متزوجًا حديثًا.
رفضت (م.س) ، رفضت أن تُكسَر حياة امرأة أخرى، وأن يُسلب منها حقها في الحزن والاختيار. لكن الرفض لم يكن خيارًا. جاء التهديد واضحًا:
أطفالك… بين خوف الأم وغريزة النجاة، رضخت.
انتقلت للعيش في المنزل نفسه، تحت سقف واحد مع زوجة عمر الأولى (ه.ع) ، هناك بدأت فصول معاناة لم تشهدها حتى الحرب.
ضرب، إهانات، تعذيب لطفلتها، حرمان من الطعام والشراب، وحبس داخل غرفة صغيرة مظلمة، كأنها عقوبة جماعية لا تنتهي، تقول (م.س) : ” إن جسد طفلتها امتلأ بالكدمات الزرقاء، وآثار الضرب على الظهر من شدة القسوة”
كانت الطفلة تبكي أحيانًا بصمت، كأنها تعلم أن الصوت قد يجرّ العقاب.
في أحد الأيام، وحين خلا المنزل، قررت (م.س) الهروب، حملت طفلتها وفتحت الباب على أمل حياة أخرى، لكن حماتها أوقفتها ، أُعيدت بالقوة، وانتظرت عودة عمر.
وحين جاء، انهال عليها ضربًا حتى كُسرت يدها اليمنى ، لم يتوقف الأمر هنا؛ أثناء الضرب شعرت بألم حاد ونزيف في بطنها. نُقلت لاحقًا لتكتشف أنها حامل.
في البداية، بدا على عمر الحزن، لكن الحمل لم يحمِها… بل زاد قسوته.
امرأة فقدت أهلها، وزوجها، وأمانها، ثم فُرض عليها زواج قسري، وعاشت عنفًا مركّبًا: عنف الحرب، وعنف العائلة، وعنف الزوج، وعنف الصمت.
اليوم، لا تملك (م.س) سوى صوتها، وقصة ترويها على أمل أن يسمعها أحد، قبل أن يكبر أطفالها وهم يعتقدون أن الألم قدرٌ لا مهرب منه.
زواج بالإكراه وعنف معاقب عليه قانونًا
وعند سؤالنا المحامي أ. هاني ريالة عمّا إذا كانت الحالة تُعدّ زواجًا قسريًا، أكد أنه وفق القوانين الفلسطينية المطبّقة في غزة والضفة الغربية، فإن ما تعرضت له (م.س) يُعد زواجًا قسريًا.
وأوضح أن القانون، المستند إلى قانون الأحوال الشخصية العثماني وقواعد الفقه الإسلامي، يشترط الرضا الصريح لصحة عقد الزواج، وأن الإكراه يُبطل الرضا.
وبيّن ريالة أن التهديد بحرمان الأم من أطفالها يُعد إكراهًا معنويًا وجسديًا، يؤثر في الإرادة، ويُشكّل ابتزازًا واستغلالًا لحالة الضعف، مؤكدًا أن هذا الفعل جريمة تدخل ضمن صور التهديد المعاقب عليها جزائيًا. وأضاف:
«حرمان الأم من أطفالها لا يكون بقرار عائلي، بل بقرار قضائي، ولأسباب قانونية محددة».
وأشار إلى أن الحماة والزوجة الأخرى تتحملان المسؤولية المباشرة في حال ثبوت الاشتراك في الضرب، موضحًا أن المسؤولية الجزائية شخصية، لكن الاشتراك والتحريض يُعاقب عليهما القانون.
كما ذكر ريالة أن البدائل القانونية والحقوقية المتاحة للضحية، في ظل الحرب وتعطّل مؤسسات العدالة، تشمل التوثيق الطبي الرسمي، واللجوء إلى المؤسسات الحقوقية المحلية، والتبليغ لمنظمات حماية المرأة والطفل، وتوثيق الانتهاكات تمهيدًا للمساءلة اللاحقة، إضافة إلى طلب تدخل لجان الإصلاح بشرط ضمان السلامة.
وأضاف أن ما تعرضت له الضحية يُعد انتهاكًا دوليًا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وانتهاكًا لاتفاقية حقوق الطفل، لما يشمله من زواج قسري وعنف وإيذاء.
قصة (م.س) ليست استثناءً، بل مرآة لنساء كثيرات نجون من القصف، ولم ينجُـن من العنف ، في مكانٍ يفترض أن يكون ملاذًا، تحوّل البيت إلى سجن، والصمت إلى شريك في الجريمة. وبينما تستمر الحرب في خطف الأرواح، تواصل الأعراف القاسية خطف ما تبقى من الأمان ، وحده الصوت، حين يُقال، قد يكون بداية نجاة… ليس لـ(م.س) وحدها، بل لكل امرأة خُيّرت بين أطفالها وكرامتها.

