تقرير: علياء الهواري_برق غزة
في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، تبرز إسرائيل كفاعل مركزي يمتلك أدوات متقدمة في مجالي الاستخبارات والتأثير العسكري، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات بنيوية عميقة، تجعل صورة “التفوق المطلق” محل تساؤل. وبينما تنجح تل أبيب في تنفيذ عمليات دقيقة داخل العمق المعادي، تكشف الوقائع عن معادلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا، والديموغرافيا، والتكتيك العسكري، مع البعد الأيديولوجي والديني.
يؤكد د. بهاء الدين أن التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج منظومة متكاملة من العمل الأمني طويل الأمد، تقوم على الاختراق، والتجنيد، واستغلال الثغرات الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول المستهدفة، وعلى رأسها إيران. فقد تمكنت الأجهزة الإسرائيلية من الوصول إلى مستويات متقدمة من تصفية القيادات، سواء داخل إيران أو عبر أذرعها الإقليمية، وهو ما يعكس قدرة عالية على جمع المعلومات وتحليلها وتوظيفها في عمليات نوعية.
لكن هذا التفوق، بحسب التحليل، لا يعني الحسم. فإيران، رغم الضربات التي تتلقاها، تمتلك عناصر قوة مختلفة تمامًا، تجعل من المواجهة معها أكثر تعقيدًا. المساحة الجغرافية الشاسعة، التي تتجاوز بمراحل مساحة إسرائيل، تمثل عاملًا حاسمًا في صعوبة السيطرة أو الاختراق الكامل. فبين الجبال والصحاري، تتشكل بيئة مثالية لإخفاء البنية العسكرية، وخلق عمق استراتيجي يصعب استهدافه.
ويشير د. بهاء الدين إلى أن ما يُعرف بـ”المدن العسكرية تحت الأرض” يمثل أحد أهم عناصر الردع الإيراني. هذه المنشآت، التي تمتد على أعماق تصل إلى مئات الأمتار داخل الصخور، ليست مجرد مخازن سلاح، بل بنية متكاملة قادرة على إدارة العمليات بعيدًا عن أعين الرصد الجوي والتقني. وهو ما يفسر عجز الضربات التقليدية عن تحقيق تأثير حاسم على القدرات الإيرانية.
على الجانب الآخر، يبرز عامل “الاختراق الداخلي” كأحد أبرز أدوات إسرائيل. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران خلقت بيئة اجتماعية مضغوطة، يمكن استغلالها في تجنيد عملاء أو تسهيل عمليات التهريب، سواء للسلاح أو المعلومات. وهنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، حيث تتحول الأزمات المعيشية إلى مدخل أمني خطير.
لكن المفارقة، كما يوضح الخبير، أن إسرائيل نفسها ليست بمنأى عن هذا النوع من الاختراق. فالمجتمع الإسرائيلي، رغم ما يبدو عليه من تماسك، يعاني من انقسامات أيديولوجية ودينية عميقة. فهناك تيار علماني واسع، يقابله تيار ديني متشدد، ما يخلق حالة من التوتر الداخلي يمكن أن تتحول في لحظة إلى نقطة ضعف.
ويضيف أن توظيف الدين في السياسة يمثل أحد أبرز ملامح المشروع الإسرائيلي. فرغم أن القيادة السياسية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، تُصنف كعلمانية، إلا أنها لا تتردد في استخدام الرموز الدينية لتعزيز شرعيتها السياسية. من أسماء العمليات العسكرية، إلى الخطاب الإعلامي، يتم استدعاء البعد الديني كأداة تعبئة وتبرير
وفي هذا السياق، يبرز الكنيست، الذي يتكون من 120 عضوًا، ليس فقط كمؤسسة تشريعية، بل كرمز تاريخي وديني مرتبط بالسردية اليهودية. هذا الرقم، وفق بعض التفسيرات، يحمل دلالات تتجاوز السياسة إلى التاريخ الديني، وهو ما يعكس عمق التداخل بين الدين والدولة في إسرائيل.
أما على المستوى العسكري، فتواجه إسرائيل تحديًا متزايدًا في التعامل مع ما يُعرف بتكتيك “الإغراق الصاروخي”. هذا الأسلوب، الذي يعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت متقارب، يهدف إلى إرباك أنظمة الدفاع، وعلى رأسها القبة الحديدية. ورغم كفاءة هذا النظام، إلا أنه ليس مصممًا للتعامل مع كثافة نيرانية عالية في وقت قصير، ما يفتح ثغرات يمكن استغلالها.
ويؤكد د. بهاء الدين أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على التفوق التكنولوجي، بل على القدرة على “إدارة التكلفة”. فالمسيرات منخفضة التكلفة، التي تستخدمها إيران وحلفاؤها، تمثل نموذجًا لحرب الاستنزاف، حيث يتم إجبار الخصم على استخدام وسائل دفاعية باهظة الثمن في مواجهة تهديدات بسيطة نسبيًا.
في البعد السياسي، تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في دعم إسرائيل، سواء عسكريًا أو دبلوماسيًا. لكن هذا الدعم ليس مطلقًا، بل تحكمه حسابات معقدة تتعلق بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فالإدارات الأمريكية، بما فيها إدارة دونالد ترامب، سعت إلى تحقيق توازن بين دعم إسرائيل وتجنب الانخراط في حروب مكلفة.
ورغم الضغوط الإسرائيلية المستمرة لجر واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع إيران، إلا أن صناع القرار الأمريكي يدركون أن أي تصعيد واسع قد يهدد استقرار أسواق الطاقة، خاصة في ظل حساسية مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي.
ويختتم د. بهاء الدين تحليله بالتأكيد على أن الصراع في المنطقة لا يمكن حسمه عسكريًا بشكل كامل. فكل طرف يمتلك أدوات ردع قادرة على إلحاق ضرر كبير بالآخر، ما يجعل من “التوازن القلق” هو السمة الأساسية لهذه المواجهة. وبين التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي، والتحصين الاستراتيجي الإيراني، تبقى المنطقة عالقة في دائرة من التصعيد والتهدئة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات.

