كتبت علياء الهواري
في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين إسرائيل وإيران لا تبدو المعركة محصورة في حدود الجغرافيا أو موازين السلاح بقدر ما تكشف عن طبقة أعمق وأكثر تعقيدا تتشكل داخل الخطاب الإسرائيلي حيث يعود الدين إلى الواجهة ليس كهوية ثقافية فقط بل كأداة تفسير وتبرير وإقناع في لحظة تبدو فيها الحاجة إلى معنى للحرب أكبر من الحاجة إلى نتائجها
في إسرائيل يتجاوز الخطاب السياسي في أوقات الأزمات حدوده التقليدية ليلامس النصوص الدينية التي يتم استدعاؤها باعتبارها مرجعية عليا تمنح الصراع بعدا وجوديا يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة ومع كل صاروخ يسقط أو عملية عسكرية تتصاعد يبرز خطاب يتحدث عن الحق التاريخي والوعد الإلهي وعن معركة ممتدة في الزمن لا تبدأ بالحاضر ولا تنتهي عنده وهو ما يخلق حالة من التعبئة النفسية داخل المجتمع الإسرائيلي تقوم على فكرة أن ما يحدث ليس مجرد حرب بل استكمال لمسار مقدس
هذا التحول لا يأتي بمعزل عن السياق السياسي الذي تعيشه إسرائيل حيث تجد القيادة نفسها أمام تحدي الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل حرب مفتوحة وغير محسومة وهو ما يدفعها إلى استخدام كل أدوات التأثير الممكنة وفي مقدمتها الخطاب الديني الذي يمتلك قدرة عالية على حشد الجمهور وتبرير التضحيات وخلق حالة من الإجماع حول القرار السياسي حتى في أكثر لحظاته جدلا
في هذا السياق يظهر بوضوح حضور شخصيات سياسية مثل بنيامين نتنياهو الذي اعتاد في خطاباته خلال الأزمات الكبرى على استدعاء التاريخ الديني والرموز التوراتية وربطها بالواقع السياسي الراهن في محاولة لتقديم الصراع على أنه امتداد لمعركة قديمة بين الخير والشر وهو خطاب لا يخاطب الداخل الإسرائيلي فقط بل يسعى أيضا إلى كسب تعاطف دولي خاصة من التيارات الدينية في الغرب التي ترى في إسرائيل امتدادا لرواية دينية أوسع
غير أن هذا الاستخدام المكثف للدين لا يمر دون جدل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه حيث تتصاعد أصوات تحذر من خطورة الخلط بين اليهودية كعقيدة دينية وبين الصهيونية كمشروع سياسي معتبرة أن هذا الخلط لا يؤدي فقط إلى تبرير السياسات العسكرية بل يساهم أيضا في تعميق الصراع وتحويله إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها أو إنهاؤها
هذا الجدل يتغذى على واقع معقد حيث لا يتفق جميع اليهود داخل إسرائيل أو خارجها على هذا التوجه إذ توجد تيارات دينية وفكرية ترى أن توظيف النصوص المقدسة في الصراع السياسي يمثل انحرافا عن جوهر الدين وتحويلا له إلى أداة سلطة وهو ما يعكس انقساما حقيقيا في فهم العلاقة بين الدين والدولة داخل المجتمع الإسرائيلي
في المقابل يواصل التيار اليميني توظيف الخطاب الديني باعتباره وسيلة لتعزيز شرعيته السياسية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الحكومة داخليا وخارجيا حيث يتحول الدين إلى لغة مشتركة تجمع بين الأمن والسياسة والتاريخ وتعيد صياغة الصراع في قالب أخلاقي يمنح الحرب بعدا يتجاوز الحسابات التقليدية للربح والخسارة
ومع استمرار المواجهة مع إيران يصبح هذا الخطاب أكثر حضورا وتأثيرا إذ يتم تصوير الصراع على أنه ليس فقط مواجهة مع خصم إقليمي بل صراع مع تهديد وجودي يتطلب تماسك الجبهة الداخلية واستعدادا نفسيا لتحمل كلفة طويلة الأمد وهو ما يعيد إنتاج فكرة الحرب المفتوحة التي لا ترتبط بزمان أو مكان محدد
في الشارع الإسرائيلي ينعكس هذا الخطاب في حالة من التوتر المختلط بالإيمان حيث يتأرجح الشعور العام بين القلق من تصعيد غير محسوب وبين القناعة بأن ما يحدث جزء من مسار أكبر وهو ما يعزز قدرة القيادة على تمرير قرارات صعبة في ظل غياب نتائج حاسمة على الأرض ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول مستقبل هذا النوع من الخطاب وتأثيره على طبيعة الصراع في المنطقة
اللافت في هذا المشهد أن استخدام الدين لا يقتصر على الداخل بل يمتد إلى الخارج حيث يتم توظيفه في الخطاب الإعلامي والدبلوماسي لإعادة تقديم الرواية الإسرائيلية بلغة تتجاوز السياسة إلى العقيدة وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في بعض الدوائر الدولية لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من تحويل الصراع إلى مواجهة دينية مفتوحة يصعب احتواؤها
في النهاية يبدو أن ما تشهده إسرائيل اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري مع إيران بل لحظة إعادة تشكيل للخطاب الذي تدير به حروبها حيث يتقدم الدين إلى الصفوف الأولى ليصبح جزءا من معادلة الصراع لا مجرد خلفية له وبينما تتوقف الصواريخ أحيانا وتعود أحيانا أخرى يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه الحرب تُدار فقط بالسلاح أم أنها تُخاض أيضا بنصوص مقدسة تعيد تعريفها في كل مرة من جديد

