يونس صلاح – خاص برق غزة
ربما لا تملك المال ولا تستطيع أن تركب سيارة توصلك لمكان ما تريد ،وربما تكن جائع ومعك مال ولا تستطيع شراء ما يسد جوعك وجوع اطفالك، وربما تكون مريض ولا تستطيع شراء الدواء رغم انك تملك المال، كل هذا وذاك بسبب أزمة صغيرة لكنها كبيرة تسمي “الفكة”
يشهد قطاع غزة، الذي يعاني أصلاً من حصار طويل الأمد وصراعات متكررة، أزمة اقتصادية وإنسانية متعددة الأوجه. ومن بين التحديات الأكثر إلحاحًا التي برزت مؤخرًا هي أزمة “الفكة”، أو شح العملات المعدنية والفئات النقدية الصغيرة. هذه الأزمة، التي تفاقمت بشكل ملحوظ بين عامي 2023 و2026، لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية هامشية، بل تحولت إلى عائق رئيسي يعرقل أبسط تفاصيل الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين.
من خلال هذه المقالة سنقوم بتقديم تحليل شامل لأسباب هذه الأزمة، وتداعياتها العميقة على النسيج الاقتصادي والاجتماعي في غزة، بالإضافة إلى استعراض الحلول المحلية وآليات التكيف التي يبتكرها السكان لمواجهة هذا الواقع الصعب.. الأسباب الجذرية لأزمة “الفكة”هناك عدة عوامل معقدة كانت سببا فى أزمة “الفكة” في قطاع غزة، ويمكن تلخيصهافي النقاط التالية:.
1ـ تدمير البنية التحتية المصرفيةلقد أدت العمليات العسكرية المتكررة إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية في قطاع غزة، بما في ذلك القطاع المصرفي. فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي الغالبية العظمى من البنوك وأجهزة الصراف الآلي في جميع أنحاء القطاع هذا التدمير شل قدرة المؤسسات المالية على تقديم خدماتها الأساسية، بما في ذلك توفير العملات النقدية وسحب الرواتب، مما أدى إلى تفاقم أزمة السيولة.
2ـ منع دخول السيولة النقدية تعتبر القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول وخروج الأموال من وإلى قطاع غزة أحد الأسباب الرئيسية لشح العملات.
ويرفض الاحتلال إدخال فئات نقدية جديدة أو استبدال العملات التالفة، مما أدى إلى نقص حاد في “الفكة” والعملات وأبرزها “الشيكل” للمعاملات اليومية هذا المنع المتعمد يهدف إلى تفكيك مقومات الحياة للسكان المدنيين، وعلى رأسها البنية المصرفية
3- توقفت الدورة المالية والاقتصادية في غزة بشكل كامل تقريبًا فمع تدمير البنوك وعدم توفر السيولة، فقد المواطنون والتجار الثقة في النظام المصرفي. وبدلاً من إيداع الأموال في البنوك، يحتفظ بها الأفراد والتجار خارج النظام الرسمي، مما يؤدي إلى خروج السيولة من المصارف دون رجعة وتفاقم الشح في الأسواق
4-تلف العملات الورقية تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن أكثر من 70% من الأوراق النقدية المتداولة في القطاع باتت تالفة ومتهالكة بدرجات مختلفة هذا التلف ناتج عن الاستخدام المفرط وعدم التجديد، مما يدفع التجار إلى تجنبها أو فرض خصومات عليها، ويزيد من صعوبة تداولها وقبولها في المعاملات اليومية .
4- التداعيات الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز تداعيات أزمة “الفكة” مجرد الإزعاج اليومي، لتشمل آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة ومنها:
1-شلل الحركة التجاريةتؤدي ندرة العملات الصغيرة إلى شلل في الحركة التجارية، حيث يجد المواطنون صعوبة بالغة في إتمام عمليات البيع والشراء البسيطة. فمعظم السلع والخدمات اليومية تتطلب فئات نقدية صغيرة، ومع عدم توفرها، تتعطل المعاملات وتتأثر القدرة الشرائية للسكان
2- ظهور السوق السوداء للسيولة تحول النقد نفسه إلى سلعة، حيث ظهرت سوق سوداء للسيولة النقدية. يتم صرف الشيكات أو التحويلات الإلكترونية مقابل خصم مالي كبير يصل إلى 20-30%، مما يستنزف مدخرات المواطنين ويزيد من معاناتهم هذا الوضع يخلق طبقة من “تجار الحروب” الذين يستغلون حاجة الناس للمال
3-ارتفاع الأسعار واستغلال المواطنين اضطر التجار لرفع الأسعار أو تقريبها لأقرب فئة نقدية متوفرة (مثل 200 شيكل) لتعويض نقص الفئات الصغيرة، مما يزيد العبء على المستهلكين. كما تفرض مكاتب الصرافة عمولات باهظة مقابل توفير الكاش، مما يعد استغلالًا لحاجة المواطنين الملحة
آليات التكيف والحلول المبتكرة في ظل هذه الظروف القاسية، يبتكر سكان غزة آليات للتكيف لمواجهة الأزمة:.
1-ترميم العملات التالفة في مبادرات فردية، يقوم بعض المواطنين، بترميم الأوراق النقدية المتهالكة يدوياً لإعادة تداولها، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من السيولة النقدية .
3-الدفع الإلكتروني المتعثر حاولت سلطة النقد الفلسطينية تشجيع الدفع الإلكتروني كبديل للنقد ومع ذلك، تواجه هذه المحاولات عقبات كبيرة بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الإنترنت، بالإضافة إلى القيود الإسرائيلية التي تعرقل عمل النظام المصرفي الإلكتروني .
3- العودة إلى نظام “الدفاتر” والمقايضة اضطر الكثيرون إلى العودة لأنظمة التعامل القديمة، مثل البيع بالدين وتسجيل المعاملات في “الدفاتر”، أو حتى مقايضة السلع والخدمات مباشرة، في غياب وسيط نقدي فعال.. الانتظار الطويل لسحب الأموال يضطر المواطنون للانتظار لساعات طويلة، وأحيانًا المبيت أمام البنوك القليلة المتبقية، من أجل سحب مبالغ بسيطة من رواتبهم أو مدخراتهم.
تعد أزمة “الفكة” في قطاع غزة تحديا صعبا للواقع الاقتصادي والإنساني المعقد الذي يواجهه السكان. إن تدمير البنية التحتية، والقيود المفروضة على السيولة، وتوقف الدورة المالية، وتلف العملات، كلها عوامل تضافرت لتخلق بيئة اقتصادية خانقة. ورغم آليات التكيف المبتكرة التي يتبعها السكان، فإن هذه الأزمة تتطلب حلولًا جذرية على المستويين الإقليمي والدولي لضمان تدفق السيولة النقدية، وإعادة بناء النظام المصرفي، وتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع.

