برق غزة/ حوار خاص
اعدته / علياء الهواري
في خضم واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها المنطقة، وبين تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة واسعة لا تُعرف حدودها، برز اسم باكستان فجأة كلاعب سياسي لا يمكن تجاهله، بعدما تحولت إسلام آباد إلى نقطة ارتكاز دبلوماسية تتجه إليها أنظار العالم بحثًا عن مخرج من حافة الانفجار.
ففي وقت بدا فيه أن لغة السلاح تسبق لغة العقل، وأن الحسابات العسكرية تكاد تبتلع كل مساحات السياسة، ظهرت باكستان بوصفها الطرف الذي يحظى بثقة الجميع؛ لا باعتبارها دولة تسعى إلى بطولة دبلوماسية، بل لأنها وجدت نفسها في قلب معادلة شديدة الحساسية، فرضتها ثقة متبادلة من واشنطن وطهران، ودعم إقليمي ودولي لمسار التهدئة.
في هذا الحوار الخاص، يكشف السفير الباكستاني جويد حفيظ حقيقة الدور الذي تلعبه بلاده في هذه اللحظة الحرجة، ويرد على التساؤلات المطروحة بشأن دوافع الوساطة، وحدود الحياد الباكستاني، وما إذا كانت إسلام آباد تملك بالفعل القدرة على منع المنطقة من السقوط في حرب جديدة.
هل يمكن القول إن باكستان هي من طرحت نفسها للعب هذا الدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران؟
لا، هذا توصيف غير دقيق على الإطلاق. باكستان لم تطرح نفسها للوساطة، ولم تتحرك بحثًا عن دور أو نفوذ كما قد يظن البعض، لكن الحقيقة أن كلا الطرفين يثقان بها، ومن هنا برزت باكستان باعتبارها أفضل وسيط ممكن لإحلال السلام.
عندما تصل الأمور إلى هذا المستوى من التعقيد، لا تستطيع أي دولة أن تفرض نفسها على طاولة حساسة كهذه، بل يجب أن تكون مقبولة من جميع الأطراف، وهذا ما حدث مع إسلام آباد. نحن لم نذهب إلى أحد لنقول نريد الوساطة، بل إن الثقة المتبادلة هي التي دفعت الجميع للنظر إلى باكستان باعتبارها القناة الأكثر أمانًا وهدوءًا.
لكن البعض يرى أن الوسيط الحقيقي لا ينجح دون امتلاك نفوذ فعلي على أطراف الصراع.. ما الذي تملكه إسلام آباد اليوم لتفرض إيقاع التهدئة؟
النفوذ لا يُقاس فقط بحجم السلاح أو الاقتصاد، بل يُقاس أيضًا بحجم الثقة والمصداقية والقدرة على الحديث مع الجميع دون حساسيات.
باكستان لديها علاقة مستقرة مع الولايات المتحدة، ولديها في الوقت نفسه علاقة قائمة على الاحترام مع إيران، كما أنها لا تدخل هذا الملف بأجندات خفية أو حسابات عدائية، ولذلك كانت مقبولة من الطرفين.
نحن لا نفرض التهدئة بالقوة، لكننا نملك القدرة على فتح أبواب مغلقة، ونقل رسائل في لحظة أصبح فيها التواصل المباشر شديد الصعوبة. هذه في حد ذاتها ورقة نفوذ مهمة جدًا، خصوصًا حين يكون البديل هو الانفجار.
هل نفهم من ذلك أن طلب الوساطة جاء من الطرفين معًا؟
نعم، وهذا ما يؤكد حياد الموقف الباكستاني.
لو لم تكن باكستان تقف على مسافة واحدة من الجميع، لما طلب منها كل من الولايات المتحدة وإيران أن تقوم بهذا الدور. الطلب جاء من أمريكا وإيران، وهذا وحده كافٍ لإثبات أن إسلام آباد لم تكن تتحرك من طرف واحد أو لصالح طرف واحد.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فهناك دعم واضح لهذا الدور من عدد من الدول المهمة، مثل مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا، فضلًا عن الصين وروسيا، لأن الجميع يدرك أن استمرار التصعيد سيقود المنطقة إلى كارثة تتجاوز حدودها الجغرافية وتمس الاقتصاد العالمي كله.
بصراحة.. هل يمكن تفسير هذا اللجوء إلى الوساطة بأنه اعتراف ضمني من واشنطن وطهران بأن الحسم العسكري لم يعد ممكنًا؟
عندما تلجأ الأطراف المتصارعة إلى الوسيط، فهذا يعني أن هناك إدراكًا بأن الحرب ليست الحل الأمثل، وأن كلفة الاستمرار في التصعيد أصبحت ثقيلة على الجميع.
أنا لا أقول إن طرفًا أعلن عجزه بشكل مباشر، لكن مجرد قبول فكرة الوساطة يعني أن لغة القوة وحدها لم تعد كافية، وأن هناك حاجة لمسار آخر يمنع الأمور من الخروج عن السيطرة.
الشرق الأوسط منطقة شديدة الحساسية، وأي انفجار واسع فيها لن يضر دولتين فقط، بل سيؤثر على الأمن الدولي، وعلى التجارة والطاقة والاقتصاد العالمي، ولذلك أصبح البحث عن التهدئة ضرورة لا رفاهية سياسية.
هناك من يرى أن باكستان لا تتحرك فقط بدافع السلام، بل أيضًا لإعادة تقديم نفسها كقوة دبلوماسية قادرة على صناعة التوازن.. ما ردكم؟
حين تحاول دولة أن تمنع الحرب فهذا ليس استعراضًا سياسيًا، بل مسؤولية.
نعم، العالم اليوم تتجه أنظاره إلى باكستان كدولة تحاول إحلال السلام في الشرق الأوسط رغم تحديات جبارة، لكن هذا لم يكن هدفًا دعائيًا بقدر ما هو استجابة لواقع خطير.
باكستان تدرك أن هذه المنطقة حيوية وحساسة ومهمة للاقتصاد العالمي، وأي اشتعال فيها ستكون له تداعيات على الجميع، ولذلك كان من الطبيعي أن نبذل كل ما في وسعنا للمساعدة في إطفاء النار قبل أن تتمدد.
وماذا عن الحديث القائل إن باكستان قد تجد نفسها في لحظة ما مضطرة للتخلي عن حيادها إذا تصاعدت الضغوط؟
أنا أرى أن سر قبول باكستان في هذا الملف هو حيادها الكامل، ولو فقدت هذا الحياد لفقدت قيمتها كوسيط.
نحن لا نتحرك بمنطق الاصطفاف، بل بمنطق الحفاظ على مساحة حوار مفتوحة. كل الأطراف تعرف أن باكستان لا تدخل المعركة لتسجيل نقاط على أحد، وإنما لمحاولة تقريب المسافات.
ولهذا السبب تحديدًا تمسكت العواصم المختلفة بهذا الدور، لأنها تعرف أن إسلام آباد لا تتحدث بلغة الانحياز
وإذا فشلت هذه الجهود.. ماذا سيكون موقف باكستان؟ وهل هناك خطة بديلة؟
أولًا نحن نفكر بإيجابية، ولا نفتكر في الفشل، لأن أي وساطة تبدأ بعقلية الهزيمة محكوم عليها بالسقوط.
نحن نتحرك على أساس أن هناك فرصة يجب استثمارها مهما كانت التحديات.
لكن حتى إذا لم ننجح في تحقيق كل الأهداف، ستبقى باكستان دولة حاولت، وبذلت كل ما في وسعها لإحلال السلام في هذه المنطقة الحيوية والحساسة. يكفينا أننا اخترنا أن نتحرك في لحظة اكتفى فيها كثيرون بالمراقبة وانتظار الأسوأ.
كيف تنظرون إلى خطورة اللحظة الراهنة؟
نحن أمام لحظة لا تحتمل مزيدًا من الجنون.
أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة كلها إلى هاوية مفتوحة، ولهذا فإن مسؤولية العقلاء الآن أكبر من أي وقت مضى.
باكستان تؤمن أن السلام ما زال ممكنًا، وأن الحوار مهما كان صعبًا يظل أقل كلفة من الحرب، ولهذا سنواصل العمل بكل ما نملك لأن البديل ببساطة سيكون كارثيًا على الجميع.
هكذا تحدث السفير الباكستاني جويد حفيظ، واضعًا إسلام آباد في قلب واحدة من أكثر الملفات سخونة وتعقيدًا في العالم. وبينما تتسارع النذر فوق سماء الشرق الأوسط، تبدو باكستان اليوم وكأنها تمسك بالخيط الأخير قبل أن تنفلت المنطقة إلى مواجهة لا يريدها أحد.. لكن الجميع يخشاها.

