برق غزة/ تل ابيب
اعداد/ علياء الهواري
لم تعد إسرائيل تعيش أزمات متفرقة يمكن احتواؤها أو تصنيفها ضمن سياقات تقليدية، بل باتت تتحرك داخل “حالة ممتدة” من القلق المركّب، حيث تتداخل الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية في مشهد واحد، يصعب فصله أو تفكيكه.
هذا الأسبوع، لم يحمل مفاجآت بقدر ما كشف عن نمط مستقر من الاضطراب؛ نمط يشير إلى أن ما يحدث لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة.
أولًا: الأمن الداخلي.. فوضى مُدارة أم عجز متراكم؟
في الداخل الإسرائيلي، لم يعد ملف الجريمة مجرد قضية جنائية، بل تحول إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، خاصة داخل المجتمع العربي.
الأرقام تتصاعد، والجرائم تتنوع، من إطلاق نار إلى تصفيات مباشرة، بينما يبدو حضور الدولة أحيانًا باهتًا، أو متأخرًا، أو انتقائيًا.
السؤال الذي يتردد في الأوساط الإسرائيلية لم يعد: لماذا ترتفع الجريمة؟
بل: لماذا لا تتدخل الدولة بفاعلية كافية؟
هناك من يطرح تفسير “العجز”، مستندًا إلى تعقيد البنية الاجتماعية وصعوبة الاختراق الأمني، لكن في المقابل، يتصاعد خطاب آخر أكثر حدة، يتحدث عن “فوضى مُدارة”، حيث يُترك العنف يتمدد داخل بيئات معينة كوسيلة غير مباشرة لضبطها أو إضعافها.
المفارقة أن هذه الفوضى لم تعد محصورة في الأطراف، بل بدأت تتسرب تدريجيًا إلى العمق، ما يخلق حالة من القلق العام، ويهز صورة “الدولة القادرة” التي طالما تم الترويج لها.
حين يشعر المواطن أن الأمن لم يعد مضمونًا، فإن كل شيء آخر يصبح محل شك.
ثانيًا: الجبهة الشمالية.. من الردع إلى اختبار الإرادات
على الحدود الشمالية، يبدو المشهد أكثر حساسية وتعقيدًا.
لم يعد الحديث عن اشتباكات محدودة أو رسائل ردع تقليدية، بل عن عملية إعادة صياغة لقواعد الاشتباك.
حزب الله يتحرك وفق إيقاع محسوب، لا يذهب إلى مواجهة شاملة، لكنه في الوقت ذاته لا يلتزم بالخطوط الحمراء القديمة.
كل تحرك، كل رسالة، كل تصعيد محدود، يحمل في طياته اختبارًا لقدرة إسرائيل على الرد، أو تحمل كلفة الرد.
في المقابل، يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل بحذر شديد، ليس فقط خوفًا من التصعيد، بل إدراكًا لتعقيد المشهد الإقليمي، وتشابك الجبهات.
الردع هنا لم ينهَر، لكنه لم يعد صلبًا كما كان.
وهنا تكمن الخطورة:
حين يتحول الردع من “حالة مستقرة” إلى “معادلة قابلة للاختبار”، فإن احتمالات الخطأ في التقدير ترتفع، ومعها احتمالات الانفجار غير المقصود.
ثالثًا: السياسة.. أزمة ثقة تتجاوز الأفراد
في الداخل السياسي، لا تبدو الأزمة مرتبطة بشخص أو حكومة بعينها، بل بحالة أعمق تتعلق بثقة الجمهور في المنظومة ككل.
استطلاعات الرأي تكشف عن تراجع في شعبية القيادات، لكن الأهم أنها تعكس تراجعًا في الإيمان بقدرة النظام السياسي على إنتاج حلول
المجتمع الإسرائيلي، الذي اعتاد على الانقسام، يعيش اليوم نوعًا مختلفًا من التصدع؛
لم يعد الانقسام أيديولوجيًا فقط، بل أصبح وجوديًا، يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، واتجاهها، وحدود قوتها.
هناك فجوة تتسع بين الخطاب الرسمي، الذي يحاول طمأنة الجمهور، وبين شعور عام بأن الأمور لا تسير كما يجب.
هذه الفجوة، إن استمرت، قد تتحول إلى أزمة شرعية، لا مجرد أزمة شعبية.
السياسة هنا لا تفشل فقط في حل الأزمات، بل تفشل أحيانًا في إقناع الناس بأنها قادرة على فهمها أصلًا.
رابعًا: الاقتصاد.. الاستقرار الهش
لطالما قُدّم الاقتصاد الإسرائيلي كواحد من عناصر القوة الصلبة، لكن هذا الأسبوع يعكس صورة أكثر تعقيدًا.
صحيح أن المؤشرات الكبرى لا تزال متماسكة نسبيًا، لكن التفاصيل تكشف عن ضغوط متزايدة.
الاستثمار يصبح أكثر حذرًا،
والشركات تراقب المشهد الأمني والسياسي قبل اتخاذ قرارات طويلة المدى،
والشعور العام بالاستقرار الاقتصادي لم يعد كما كان.
الاقتصاد لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء،
وما يحدث الآن قد لا يكون أزمة ظاهرة، لكنه بالتأكيد بداية تحول في المزاج الاقتصادي.
في دولة تعتمد على الثقة بقدر اعتمادها على الأرقام، فإن أي اهتزاز في هذه الثقة قد تكون له تداعيات أعمق من أي مؤشر مالي مباشر.
ما وراء الصورة.. دولة تؤجل الانفجار
إذا حاولنا قراءة هذه الملفات بشكل منفصل، قد تبدو كل أزمة قابلة للاحتواء.
لكن حين نضعها معًا، تتغير الصورة تمامًا.
الأمن الداخلي يتراجع،
الجبهة الشمالية تزداد تعقيدًا،
السياسة تفقد قدرتها على الإقناع،
والاقتصاد يتحرك فوق أرض غير مستقرة.
المشكلة ليست في وجود الأزمات، بل في الطريقة التي تُدار بها.
هناك ميل واضح إلى “تأجيل المواجهة”، سواء كانت مواجهة داخلية مع مشكلات بنيوية، أو خارجية مع تحديات متصاعدة.
كل أزمة يتم احتواؤها مؤقتًا،
كل تصعيد يتم تخفيضه دون حل جذري،
كل ملف يتم ترحيله إلى وقت لاحق…
لكن هذا “الوقت اللاحق” يقترب دائمًا، ولا يختفي.
خاتمة: على حافة اللحظة الفارقة
إسرائيل اليوم ليست في حالة انهيار، لكنها أيضًا ليست في حالة استقرار.
هي تقف في منطقة رمادية، بين القدرة على السيطرة، واحتمال فقدانها.
الأسئلة التي يطرحها هذا الأسبوع لا تتعلق بما حدث فقط، بل بما يمكن أن يحدث:
إلى أي مدى يمكن لدولة أن تعيش في حالة إدارة دائمة للأزمات؟
ومتى تتحول هذه الإدارة إلى عبء أكبر من الأزمة نفسها؟
ربما لا يكون الانفجار وشيكًا،
لكن المؤكد أن المسافة بين “التحكم” و”فقدان السيطرة” لم تعد كما كانت

