برق غزة /مصر
كتبت: علياء الهواري
لم يكن اسم ضياء العوضي في بدايته سوى واحد من عشرات الأسماء التي تظهر يوميًا على مواقع التواصل، لكن خلال سنوات قليلة فقط تحوّل إلى ظاهرة لافتة داخل المجتمع المصري، حالة مركبة تجمع بين الثقة المطلقة من جانب، والرفض الحاد من جانب آخر، قبل أن تنتهي رحلته بشكل مفاجئ في دولة الإمارات، لتعود قصته إلى الواجهة بقوة، محملة بكم هائل من التساؤلات.
بداية العوضي جاءت من بوابة مألوفة، طبيب يتحدث عن التغذية، يقدّم نصائح مبسطة حول الطعام الصحي، لكن ما ميّزه منذ اللحظة الأولى لم يكن المحتوى بقدر ما كان الأسلوب، لغة حاسمة، يقين كامل، وطرح مباشر يخاطب الناس دون تعقيد.
هذه العناصر الثلاثة كانت كافية لصناعة قاعدة جماهيرية أولية، سرعان ما توسعت مع دخوله في منطقة أكثر حساسية.
مع مرور الوقت، لم يعد الحديث مقتصرًا على “ماذا نأكل”، بل تحوّل إلى “كيف نعالج”، وهنا بدأ العوضي يطرح ما أسماه “منهج الطيبات”، وهو نظام غذائي يقوم على الامتناع عن أطعمة بعينها والاعتماد على أخرى، باعتبارها – وفق طرحه – الأقرب للفطرة أو المذكورة في النصوص الدينية.
هذا المزج بين الغذاء والدين منح خطابه قوة إضافية، خاصة لدى فئات تبحث عن يقين بسيط في مواجهة أمراض معقدة.
المرحلة الفاصلة في مسيرته جاءت عندما بدأ يتحدث عن أمراض مزمنة، السكري، الضغط، أمراض الجهاز الهضمي، اضطرابات المناعة، وغيرها، مقدمًا طرحًا يوحي بإمكانية السيطرة عليها عبر هذا النظام الغذائي.
هنا لم يعد الجمهور مجرد متابعين، بل تحوّل بعضهم إلى مؤمنين بالفكرة، يروّجون لها، ويشاركون تجارب شخصية عن تحسن حالاتهم.في المقابل، بدأت جبهة الرفض تتشكل.
أطباء ومتخصصون خرجوا بتحذيرات واضحة، معتبرين أن ما يُطرح يفتقر إلى الدليل العلمي، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في النصائح الغذائية بحد ذاتها، بل في احتمال أن يتخلى بعض المرضى عن العلاج الطبي اعتمادًا على هذه الطروحات.
ومع تصاعد الجدل، تحولت القضية من نقاش طبي إلى قضية رأي عام.الانتشار الكبير الذي حققه العوضي لم يمر دون تدخل رسمي.
الجهات المعنية بدأت في مراجعة وضعه، وانتهى الأمر بسحب ترخيصه وشطب عضويته المهنية، مع التأكيد على عدم أحقيته في ممارسة الطب خلال الفترة الأخيرة.
هذا القرار، الذي كان يفترض أن يضع حدًا للجدل، جاء بنتيجة عكسية لدى قطاع من متابعيه، الذين اعتبروا ما حدث “استهدافًا”، وهو ما عزز صورته لديهم كشخص “محارب لأنه مختلف”.
في هذه المرحلة، لم يعد العوضي مجرد طبيب أو حتى صانع محتوى، بل أصبح حالة اجتماعية كاملة. فيديوهاته تُتداول على نطاق واسع، اسمه يُذكر في النقاشات اليومية، وتجربته تُطرح كنموذج إما للتحذير أو للتأييد. الانقسام حوله لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحول إلى حالة استقطاب حاد.
ثم جاءت اللحظة التي قلبت كل شيء. خبر وفاته في دولة الإمارات.البيانات الرسمية أشارت إلى أن الوفاة جاءت نتيجة أزمة قلبية مفاجئة، وهو تفسير طبي واضح، لكنه لم يكن كافيًا لإغلاق الملف في نظر كثيرين.
خلال ساعات، عادت فيديوهاته للانتشار، وامتلأت منصات التواصل بتفسيرات متعددة، بعضها يلتزم بالرواية الرسمية، وبعضها يطرح تساؤلات، وأخرى تذهب إلى أبعد من ذلك.
المفارقة أن وفاة ضياء العوضي لم تُنهِ الجدل حوله، بل أعادت إنتاجه بشكل أوسع. من كان ينتقده عاد للحديث عنه، ومن كان يؤيده تمسك به أكثر، وكأن الرحيل منح القصة بعدًا جديدًا. وهكذا، تحولت النهاية إلى بداية لمرحلة أخرى من النقاش.
لكن بعيدًا عن الشخص، تطرح هذه القصة أسئلة أعمق. لماذا يجد هذا النوع من الخطاب قبولًا واسعًا؟ ولماذا يمكن لشخص واحد أن يؤثر في قرارات آلاف المرضى؟ الإجابة، كما يرى مراقبون، لا تتعلق بالعوضي وحده، بل بالسياق الذي ظهر فيه.
ارتفاع معدلات القلق من الأمراض المزمنة، وتكلفة العلاج، والفجوة التي يشعر بها بعض المرضى تجاه المنظومة الطبية، كلها عوامل تخلق بيئة خصبة لأي طرح يقدم “حلًا بسيطًا”.
ومع وجود منصات التواصل التي تسمح بالوصول المباشر للجمهور، يصبح من السهل تحويل فكرة إلى ظاهرة.
كما أن الخطاب الذي يجمع بين العلم والدين يحمل جاذبية خاصة، لأنه لا يقدّم فقط تفسيرًا، بل يمنح شعورًا بالطمأنينة، وهو ما يجعل تأثيره أعمق من مجرد نصيحة طبية. هذا ما حدث في حالة العوضي، حيث لم يكن الحديث فقط عن الغذاء، بل عن أسلوب حياة كامل.
في المقابل، تبرز أهمية التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، خاصة في المجالات المرتبطة بالصحة. فبين حق أي شخص في طرح أفكاره، وحق المجتمع في حماية أفراده من المعلومات غير الدقيقة، تبقى هناك منطقة حساسة تحتاج إلى ضبط واضح.
قصة ضياء العوضي لم تكن مجرد قصة صعود وسقوط، بل مرآة لواقع أوسع، يكشف عن علاقة معقدة بين الجمهور والمعلومة، بين الثقة والشك، بين الحاجة إلى الأمل والخوف من المرض.
انتهت الرحلة رسميًا برحيله، لكن الأسئلة التي أثارها ما زالت قائمة، وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في القصة. فبعض الظواهر لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل تظل حاضرة لأنها تعكس ما هو أعمق من الأفراد.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

