حوار: علياء الهواري
بينما تبدو المنطقة غارقة في دوامة حروب مفتوحة وتحالفات متحركة وحدود لم تعد ثابتة، تمضي إسرائيل — بهدوء مخادع — في تنفيذ ما هو أخطر من العمليات العسكرية المباشرة: إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتثبيت مشروعها التاريخي القائم على التهجير والتمدد وفرض الوقائع.
في الداخل الإسرائيلي، لا تبدو معركة بنيامين نتنياهو مجرد صراع على البقاء في الحكم، بل صراعًا على من يملك حق استكمال الحلم الصهيوني الأكثر تطرفًا. وفي القدس، لم يعد الحديث عن التهويد مجرد تخوفات فلسطينية، بل خطوات عملية تتسارع نحو تكريس السيادة الدينية والسياسية الإسرائيلية داخل الحرم القدسي. أما في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فتل أبيب تعيد فتح خرائط النفوذ القديمة تحت عنوان جديد: السيطرة على الممرات وخنق المجال العربي
في هذا الحوار الخاص، يفتح السفير المصري الأسبق لدى إسرائيل عاطف سالم النار على أخطر الملفات، كاشفًا أن إسرائيل لا تتحرك بردود أفعال آنية، بل وفق مشروع ممتد عمره عقود؛ مشروع يبدأ بتهجير الفلسطينيين ولا ينتهي عند حدود غزة أو الضفة، مؤكدًا أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يعرف معنى الوسطية، وأن القادم في القدس “أخطر مما يتخيله كثيرون”.
بداية.. هل ما نشهده الآن مجرد أفكار تهجير طارئة أم مشروع إسرائيلي قديم يتجدد؟
ما يجري الآن ليس وليد السابع من أكتوبر، ولا هو مجرد اجتهاد سياسي لحكومة يمينية مأزومة، بل هو ــ كما يصفه السفير عاطف سالم ــ “الوجه الأصلي للعقيدة الصهيونية”.
يقول سالم إن التهجير كان دومًا هو الحل المثالي داخل العقل الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا؛ فمنذ النكبة جرى اقتلاع الفلسطينيين بالقوة من مدنهم وقراهم، ولم يكن ذلك حدثًا عارضًا بل جزءًا من خطة إحلال سكاني كاملة. مذكرات القادة الإسرائيليين، وشهادات المؤرخين اليهود أنفسهم، تؤكد أن الطرد تم بتوجيهات مباشرة من القيادات المؤسسة للدولة العبرية.
ويضيف أن ما نراه اليوم ليس سوى النسخة المحدثة من هذا الحلم القديم؛ إذ أعادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طرح سيناريوهات توطين الفلسطينيين خارج أرضهم، سواء عبر سيناء أو عبر صيغ “تبادل الأراضي” أو عبر اتصالات مع دول إفريقية وأوروبية. ويشدد على أن الحرب الأخيرة لم تُنشئ فكرة التهجير، لكنها منحتها فرصة ذهبية للخروج من الأدراج إلى غرف القرار.
ويتابع: “حين فشلت إسرائيل في تمرير التهجير إلى سيناء بسبب الرفض المصري الصلب، بدأت تبحث عن بدائل جغرافية أخرى، من أرض الصومال إلى دول إفريقية مختلفة. هذا يعني أننا لسنا أمام رد فعل عسكري، بل أمام مشروع اقتلاع طويل النفس.
البعض يراهن على سقوط نتنياهو باعتباره نهاية هذه المرحلة.. هل هذا الرهان حقيقي؟
يبتسم السفير عاطف سالم قبل أن يجيب بحسم: “هذا وهم كبير.”
فبحسب قراءته، الأزمة الإسرائيلية ليست أزمة نتنياهو كشخص، بل أزمة منظومة تتصارع على المقاعد بينما تتفق على الجوهر. الحكومة والمعارضة — مهما تبادلتا الاتهامات — لا تختلفان في القضايا المصيرية: لا دولة فلسطينية، لا تراجع عن الاستيطان، لا تساهل مع إيران، ولا قبول بأي صيغة تنتقص من الهيمنة الأمنية الإسرائيلية.
ويرى سالم أن نفتالي بينيت أو غيره من وجوه المعارضة لا يحملون بديلًا حقيقيًا، بل يقدمون خطابًا أكثر تنظيمًا لنفس المشروع. فاليمين لم يعد حزبًا أو ائتلافًا داخل إسرائيل؛ اليمين أصبح المزاج الشعبي العام، وأصبح السؤال الانتخابي هناك: من هو الأقدر على إدارة التشدد؟ لا من هو الأقدر على صناعة السلام.
ويضيف: “حتى لو غاب نتنياهو، فإن نتنياهو الفكري باقٍ في بنية الدولة والمجتمع.”
لكن هناك حديث عن تراجع بعض رموز التطرف مثل سموتريتش.. ألا يحمل ذلك دلالة؟
يرفض سالم هذا الاستنتاج، موضحًا أن أي تراجع انتخابي لـ بتسلئيل سموتريتش لا يعني أن الإسرائيليين ضاقوا بتطرفه، بل ربما لأنهم وجدوا من هو أكثر قدرة على تمثيل هذا التطرف.
ويشير إلى أن سموتريتش أنجز فعليًا ما جاء من أجله: تثبيت البنية الاستيطانية وربط المستوطنات وتعزيز السيطرة الإدارية الإسرائيلية على الضفة الغربية. وبالتالي فإن تراجع اسمه في الاستطلاعات لا يساوي تراجع مشروعه.
ويقول: “المشكلة أن البعض يقرأ الاستطلاع باعتباره مؤشر اعتدال، بينما الحقيقة أن المجتمع كله تحرك إلى اليمين، والاختلاف أصبح على الدرجة لا على الاتجاه
ماذا عن الأحزاب العربية؟ هل يمكن أن تصبح عنصر ترجيح في الانتخابات المقبلة؟
يرى السفير المصري الأسبق أن الأحزاب العربية قد تستعيد بعض حضورها العددي إذا دخلت في قائمة موحدة، لكنها لن تتحول إلى لاعب قادر على تغيير المعادلة الإسرائيلية.
ويؤكد أن تجربة مشاركة منصور عباس في الحكومة السابقة أثبتت أن المؤسسة الإسرائيلية تستخدم العرب عند الحاجة العددية فقط، دون أن تسمح لهم بالاقتراب من القرارات الجوهرية.
كما يلفت إلى أن عرب الداخل يعيشون تحت ضغوط قاسية؛ بطالة متفاقمة، جريمة متصاعدة، خطاب كراهية، وتضييق سياسي بعد الحرب، ما يجعلهم في معركة بقاء اجتماعي أكثر من كونهم في معركة نفوذ سياسي.
القدس تبدو الآن في قلب المواجهة.. هل اقتربت إسرائيل من فرض واقع “الهيكل الثالث”؟
يقول سالم إن هذا السؤال لم يعد افتراضيًا، لأن ما يجري على الأرض يشير بوضوح إلى أن إسرائيل انتقلت من مرحلة التلويح العقائدي إلى مرحلة التدرج التنفيذي.
فالاقتحامات لم تعد موسمية، بل أصبحت جزءًا من الروتين الرسمي. والجماعات الدينية التي كانت تعمل على الهامش تحولت إلى جماعات محمية سياسيًا وقضائيًا. والخطاب الإسرائيلي لم يعد يتحدث عن مجرد “زيارة” للمكان، بل عن “حق عبادة” و”حق سيادة”.
ويضيف أن الأخطر هو محاولات التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، إلى جانب الحشود الضخمة التي يجري التحضير لها في ما يسمى “يوم القدس”، وهو ما يضع المدينة على حافة انفجار مفتوح.
ويحذر: “إسرائيل الآن تختبر ردود الفعل العربية والإسلامية خطوة خطوة، وكل صمت يُترجم داخلها باعتباره ضوءًا أخضر للخطوة التالية.”
كيف تقرأون التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي وصوماليلاند؟
يؤكد سالم أن إسرائيل تعود إلى أحد أقدم مفاتيح استراتيجيتها: كسر الطوق العربي عبر صناعة أطراف نفوذ حوله.
هذا ما فعله ديفيد بن غوريون قديمًا تحت عنوان “حلف المحيط”، وهذا ما يجري تحديثه الآن في القرن الإفريقي. فتل أبيب تبحث عن موطئ قدم قرب باب المندب، قرب الممرات البحرية، قرب الخاصرة الرخوة للأمن العربي.
ويشير إلى أن الاهتمام بـ أرض الصومال وإثيوبيا ليس مسألة علاقات دبلوماسية عادية، بل إعادة تموضع استراتيجي يمنح إسرائيل أوراق ضغط في البحر الأحمر وشرق إفريقيا معًا.
إسرائيل انزعجت بوضوح من مناورات بدر المصرية.. لماذا؟
لأن إسرائيل — وفق سالم — تنظر بقلق مزمن إلى أي تطور في القوة العسكرية المصرية.
فالمسألة لا تتعلق بمناورة بعينها، بل بوعي إسرائيلي متراكم بأن مصر تعيد بناء قدرتها العسكرية بصورة متسارعة، وأن الجيش المصري يمتلك هامش حركة واستقلال قرار لا يريح تل أبيب.
ويشير إلى أن الإعلام الإسرائيلي والدوائر العسكرية تكرر باستمرار سؤالًا واحدًا: لماذا كل هذا التسليح؟ ولماذا هذا الحجم من المناورات؟ ولماذا هذا التحديث؟
ويقول: “هذا السؤال في حد ذاته يكشف حجم القلق. مصر تمارس حقها الطبيعي والسيادي، لكن تل أبيب تقرأ كل خطوة مصرية باعتبارها احتمالًا استراتيجيًا يجب وضعه في الحساب
وماذا عن مشاهد سفراء الاتفاقات الإبراهيمية في احتفالات إسرائيل؟
يرى سالم أن هذا المشهد لا يحتاج كثيرًا من الدهشة؛ فحين فُتح باب الاتفاقات فُتح معه المسار كله، وما نشاهده الآن مجرد امتداد طبيعي لعلاقات تأسست بالفعل.
لكنه يلفت إلى أن التركيز على الصور لا يجب أن يحجب الصورة الأوسع: إسرائيل تستثمر هذا المناخ الإقليمي الهادئ لكي تُمرر ملفات أخطر بكثير على الأرض.
كيف يختصر السفير عاطف سالم المشهد الإسرائيلي الآن؟
يقولها بوضوح:
“نحن أمام إسرائيل أكثر شراسة من أي وقت مضى؛ لا تؤمن بالتسويات، ولا تراهن إلا على القوة، وتعمل في عدة جبهات بالتوازي: تهجير الفلسطينيين، فرض وقائع في القدس، التمدد نحو إفريقيا، ومراقبة أي صعود عربي بقلق.”
ثم يضيف جملة ربما تختصر الحوار كله:
“المشكلة ليست أن نتنياهو متطرف.. المشكلة أن التطرف أصبح هو الدولة

