كتبت علياء الهواري
لم تكن سيناء يومًا مجرد قطعة أرض على خريطة، بل كانت اختبارًا قاسيًا لمعنى الدولة، ومعيارًا حقيقيًا لقدرة الشعوب على الصمود حين تُسلب منها جغرافيتها، ويُراد لها أن تنسى نفسها. في الخامس والعشرين من أبريل، لا تحتفل مصر فقط بذكرى استعادة أرض، بل تستعيد حكاية أمة كاملة رفضت أن تُكتب نهايتها بيد عدو.
منذ لحظة سقوط سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب حرب يونيو 1967، لم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل صدمة وجودية ضربت وجدان المصريين في عمقه. انكشفت الحدود، وتراجعت الثقة، وبدت الدولة وكأنها أمام سؤال مصيري: هل يمكن أن تعود الأمور كما كانت؟ أم أن ما ضاع لن يعود؟
لكن ما بدا مستحيلاً في لحظة، بدأ يتشكل كحلم ممكن عبر سنوات من إعادة البناء، انتهت بانفجار الإرادة المصرية في حرب أكتوبر 1973، حين عبر الجنود قناة السويس، لا فقط ليحطموا خط بارليف، بل ليعيدوا تعريف العلاقة بين الإنسان المصري وأرضه. لم تكن الحرب مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل كانت إعلانًا بأن التاريخ لا يُغلق أبوابه أمام من يصرّون على طرقها.
غير أن استعادة سيناء لم تكتمل في ساحة المعركة وحدها. فبعد صمت المدافع، بدأت معركة أخرى أكثر تعقيدًا، معركة السياسة والدبلوماسية. وهنا تحوّلت مصر من ميدان القتال إلى طاولة التفاوض، حيث وقّعت اتفاقية اتفاقية كامب ديفيد، التي مهدت الطريق لانسحاب إسرائيلي تدريجي من سيناء.
لم يكن هذا المسار سهلاً أو محل إجماع. فقد انقسمت الآراء بين من رأى في الاتفاق تنازلاً، ومن اعتبره انتصارًا من نوع آخر، انتصارًا يثبت أن استعادة الأرض لا تمر فقط عبر البنادق، بل عبر القدرة على انتزاع الحقوق في لحظات التوازن السياسي الدقيق. وفي كل الأحوال، كانت النتيجة النهائية واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل، وعودة سيناء إلى السيادة المصرية.
وفي عام 1982، رُفع العلم المصري على أرض سيناء، في مشهد لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل لحظة رمزية مكثفة، اختزلت سنوات من الألم والأمل. ومع ذلك، لم تكتمل القصة إلا لاحقًا، حين استعادت مصر طابا عبر التحكيم الدولي، في رسالة إضافية تؤكد أن الدولة التي تعرف كيف تدير معاركها، تستطيع أن تنتصر في كل الميادين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد عقود من التحرير، ليس فقط كيف عادت سيناء، بل ماذا فعلنا بها بعد أن عادت؟ هل تحولت إلى مساحة تنمية حقيقية؟ أم بقيت حبيسة الشعارات والذكريات؟
سيناء، التي دفعت ثمنًا باهظًا في الحروب، وجدت نفسها لاحقًا في قلب معركة أخرى، معركة الإرهاب والتهميش. لسنوات، عانت مناطق واسعة من فراغ تنموي وأمني، جعلها بيئة هشة أمام التهديدات. ومع تصاعد العمليات الإرهابية في العقد الأخير، عادت سيناء إلى واجهة الأحداث، ولكن هذه المرة كجبهة داخلية، تتطلب مقاربة مختلفة، لا تعتمد فقط على القوة، بل على التنمية والعدالة.
بدأت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة في ضخ استثمارات ضخمة في سيناء، عبر مشروعات بنية تحتية وطرق وأنفاق، في محاولة لربطها بشكل فعلي بباقي الجغرافيا المصرية. لم تعد سيناء مجرد منطقة حدودية، بل باتت جزءًا من تصور استراتيجي أوسع، يسعى إلى إعادة توزيع السكان، وتحقيق توازن تنموي طال انتظاره.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة. فالتنمية ليست مجرد أرقام تُعلن، بل واقع يُعاش. وسيناء، التي كانت ساحة حرب، تحتاج إلى ما هو أكثر من المشروعات، تحتاج إلى رؤية شاملة تضع الإنسان في قلب المعادلة، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل سيناء عن محيطها الإقليمي. فهي تقع في قلب منطقة مضطربة، تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، من القضية الفلسطينية إلى أمن البحر الأحمر، وصولاً إلى صراعات النفوذ بين القوى الكبرى. هذا الموقع يجعلها ليست فقط ملفًا داخليًا، بل ورقة استراتيجية في معادلات أكبر.
ولعل ما يزيد من أهمية سيناء اليوم، هو أنها تمثل خط تماس مباشر مع القضية الفلسطينية، التي تعيش واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا. وفي ظل التصعيد المستمر في غزة، تعود سيناء إلى الواجهة، ليس فقط كحدود جغرافية، بل كمساحة ضغط سياسي وإنساني، تتحرك فيها حسابات الأمن القومي المصري بحساسية شديدة.
وسط كل ذلك، تبقى ذكرى تحرير سيناء مناسبة تتجاوز الاحتفال الرمزي، لتطرح أسئلة حقيقية حول معنى السيادة، وحدود القوة، ودور الدولة في حماية أرضها وشعبها. إنها تذكير بأن الأوطان لا تُستعاد مرة واحدة، بل تُستعاد كل يوم، عبر قرارات وسياسات واختيارات تحدد شكل المستقبل.
سيناء ليست مجرد قصة انتصار، بل قصة مستمرة، تُكتب فصولها كل يوم. بين ماضٍ مليء بالتضحيات، وحاضر مليء بالتحديات، ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، تبقى الحقيقة الأهم: أن الأرض التي رُويت بالدم، لا يجوز أن تُترك للنسيان.
في الخامس والعشرين من أبريل، قد يبدو المشهد هادئًا، أعلام تُرفع، وخطابات تُلقى، وأغانٍ وطنية تعود للواجهة. لكن خلف هذا الهدوء، تقف حكاية أمة لم تقبل الهزيمة، ولم تكتفِ بالنصر، بل قررت أن تواصل معركتها، لا من أجل الأرض فقط، بل من أجل المعنى.

