تقرير علياء الهواري
في المشهد الإسرائيلي اليوم، لا تبدو الصورة كما تظهر في البيانات العسكرية أو التصريحات الرسمية. خلف خطاب القوة والتفوق، يتشكل واقع داخلي أكثر تعقيدًا، يتراوح بين دعم واضح لاستمرار الحرب، وشك متزايد في قدرة الحكومة على إدارتها أو حتى تحديد نهايتها.اللافت أن الشارع الإسرائيلي لا يرفض الحرب بالمعنى التقليدي، بل على العكس، هناك حالة من التماسك النسبي حول فكرة “ضرورة المواجهة”. لكن هذا الدعم لا يُترجم بالضرورة إلى ثقة في القيادة السياسية. هنا تحديدًا تكمن المفارقة: تأييد للحرب… يقابله تآكل في الثقة بمن يقودها.هذا التناقض لم يظهر فجأة، بل هو امتداد لأزمة أعمق كانت موجودة قبل الحرب، لكنها اليوم أكثر وضوحًا وحدّة. فالحرب، بدلًا من أن توحّد الداخل الإسرائيلي بالكامل، كشفت عن تصدعات كانت كامنة، سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي.الحكومة الإسرائيلية تحاول تقديم صورة السيطرة، لكن على الأرض، تتزايد الأسئلة حول الأهداف الحقيقية للحرب، ومدى إمكانية تحقيقها، والتكلفة التي يدفعها المجتمع الإسرائيلي مقابل ذلك. هذه الأسئلة لم تعد حكرًا على المعارضة، بل بدأت تتسلل إلى قطاعات أوسع من الجمهور.في الوقت نفسه، يعيش الداخل الإسرائيلي حالة من الضغط المتواصل. تعبئة عسكرية طويلة، استنزاف اقتصادي، وقلق أمني دائم. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة داخلية مشحونة، تجعل من الصعب الحفاظ على تماسك كامل لفترة طويلة.من زاوية أخرى، يبدو أن مفهوم “الأمن” الذي قامت عليه إسرائيل منذ نشأتها، يتعرض لإعادة تعريف. فالحرب الحالية، بتعدد جبهاتها، أظهرت أن التهديد لم يعد محصورًا في حدود معينة، بل أصبح ممتدًا ومعقدًا، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على المؤسسة الأمنية والسياسية معًا.الخطاب الرسمي لا يزال يركز على القوة والردع، لكن في المقابل، هناك شعور متزايد داخل المجتمع بأن هذه القوة لم تعد كافية لضمان الاستقرار. هذا التحول النفسي مهم، لأنه يمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها.الاحتجاجات، وإن تراجعت حدتها مع بداية الحرب، لم تختفِ بالكامل. بل عادت في أشكال مختلفة، تحمل مطالب تتعلق بالمحاسبة، والشفافية، وحتى تغيير القيادة. وهذا يشير إلى أن حالة “الوحدة في زمن الحرب” ليست مطلقة، بل مشروطة.في العمق، يمكن القول إن إسرائيل اليوم تواجه معادلة معقدة: كيف تحافظ على صورة القوة في الخارج، بينما تتعامل مع تحديات داخلية متزايدة. هذه المعادلة ليست سهلة، لأنها تتطلب توازنًا دقيقًا بين الاستمرار في العمليات العسكرية، وإدارة الداخل بشكل يمنع الانفجار.الاقتصاد أيضًا يلعب دورًا مهمًا في هذا المشهد. فالحرب ليست فقط معركة عسكرية، بل عبء مالي ضخم. ومع استمرار العمليات، تتزايد الضغوط على الميزانية، وعلى قطاعات حيوية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.في هذا السياق، يظهر سؤال أساسي: إلى أي مدى يمكن للداخل الإسرائيلي أن يتحمل هذا المستوى من الضغط؟ وهل الدعم الحالي للحرب سيبقى ثابتًا، أم أنه سيتآكل مع مرور الوقت وتزايد التكاليف؟من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل لا تزال تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية كبيرة، وأنها قادرة على فرض واقع ميداني في أكثر من جبهة. لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بجبهة داخلية مستقرة وواثقة.وهنا تحديدًا تكمن نقطة الضعف المحتملة. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل أيضًا في قدرة المجتمعات على الصمود. وإذا بدأت الثقة في القيادة بالتراجع، فإن ذلك ينعكس تدريجيًا على مجمل الأداء السياسي والعسكري.في النهاية، لا يمكن القول إن إسرائيل “ضعيفة” بالمعنى التقليدي، لكنها بالتأكيد ليست في حالة استقرار داخلي كامل. هي قوية عسكريًا، لكنها تواجه اختبارًا حقيقيًا في جبهتها الداخلية.وبين هذين المستويين، يتشكل مستقبل المرحلة القادمة. فإما أن تنجح في إعادة بناء الثقة الداخلية بالتوازي مع إدارة الحرب، أو أن تستمر حالة التآكل، لتتحول مع الوقت إلى أزمة أعمق
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

