برق غزة /ايران
تقرير : علياء الهواري
لم يعد الحديث عن مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل مجرد سيناريو تتناقله مراكز الدراسات أو تحذيرات يطلقها المحللون السياسيون، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على المنطقة بأكملها.
فخلال الساعات الماضية شهد الشرق الأوسط واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري بين الجانبين منذ سنوات، في مشهد أعاد إلى الأذهان المخاوف القديمة من اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود إيران وإسرائيل.
بدأت التطورات الأخيرة مع استمرار الضربات المتبادلة بين الطرفين، حيث اتجهت إسرائيل إلى رفع مستوى عملياتها العسكرية ضد أهداف مرتبطة بإيران، في خطوة اعتبرتها تل أبيب جزءًا من استراتيجيتها الهادفة إلى تقليص النفوذ الإيراني وإضعاف القدرات العسكرية التي ترى أنها تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، مؤكدة أن أي استهداف لمصالحها أو أراضيها لن يمر دون رد مناسب.ومع اتساع دائرة المواجهة، شهدت الساعات الماضية إطلاق موجات متتالية من الصواريخ الإيرانية باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما أدى إلى حالة استنفار غير مسبوقة داخل إسرائيل.
ودوت صفارات الإنذار في عدد من المدن والمناطق، بينما سارعت منظومات الدفاع الجوي إلى محاولة اعتراض الصواريخ القادمة، في مشهد تكرر أكثر من مرة خلال الليلة الماضية واليوم التالي.
ورغم نجاح منظومات الاعتراض في التعامل مع عدد من الصواريخ، فإن المشهد لم يكن هادئًا كما أرادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن يبدو.
فقد تداولت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات عن سقوط شظايا صاروخية في عدة مناطق، واندلاع حرائق في بعض المواقع، وسط حالة من القلق المتزايد بين المستوطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع أمني مختلف عما اعتادوه خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، سعت إيران إلى تقديم ما يجري باعتباره رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الرد العسكري المباشر.
فالتصريحات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني حملت نبرة تحدٍ واضحة، إذ أكدت أن الصواريخ الإيرانية قادرة على الوصول إلى أهدافها، وأن سماء المنطقة لم تعد حكرًا على التفوق العسكري الإسرائيلي كما كان يُعتقد سابقًا. كما حرص المسؤولون الإيرانيون على التأكيد أن بلادهم تمتلك القدرة على مواصلة المواجهة إذا فُرضت عليها الحرب.
التطور الأخطر في المشهد لم يكن فقط في تبادل الضربات، بل في الحديث المتزايد داخل إسرائيل عن احتمال اتساع دائرة القتال.
فقد كشفت تقارير إسرائيلية أن الجيش يستعد لأيام وربما أسابيع من المواجهة مع إيران، وأن التقديرات الأمنية تأخذ في الاعتبار إمكانية انضمام أطراف أخرى إلى الصراع، وعلى رأسها حزب الله اللبناني.
هذا الاحتمال يثير قلقًا كبيرًا داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، لأن فتح جبهة شمالية بالتزامن مع المواجهة مع إيران سيعني انتقال إسرائيل إلى مرحلة مختلفة تمامًا من الصراع، مرحلة قد تجد فيها نفسها مضطرة للتعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد.
ولذلك رفعت المؤسسة العسكرية مستوى الجاهزية، وعززت انتشار قواتها، ووضعت خططًا للتعامل مع سيناريوهات أكثر تعقيدًا.في الوقت نفسه، لم تغب الحرب النفسية والإعلامية عن المشهد. فكل طرف حاول إظهار نفسه بمظهر القادر على فرض المعادلات الجديدة.
إسرائيل شددت على أنها لن تسمح لإيران بفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، فيما أكدت طهران أن زمن الضربات من دون رد قد انتهى، وأن أي اعتداء سيقابله رد مباشر ومؤلم.أما على المستوى الدولي، فقد بدأت المخاوف تتصاعد من احتمال خروج الأمور عن السيطرة.
فالدعوات إلى التهدئة صدرت من أكثر من عاصمة، بينما حذرت جهات دولية من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى إشعال المنطقة بأكملها.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل وإيران إلى وقف القتال فورًا، في إشارة تعكس حجم القلق الدولي من المسار الذي تتجه إليه الأحداث.لكن المشكلة الأساسية أن لغة التهدئة ما زالت حتى الآن أضعف من لغة الميدان.
فكل طرف يرى أن التراجع في هذه المرحلة قد يُفسَّر على أنه هزيمة سياسية أو عسكرية، ولذلك يواصل الطرفان إرسال الرسائل عبر الصواريخ والتصريحات والتهديدات المتبادلة.
وبينما يترقب العالم ما ستسفر عنه الساعات المقبلة، يبدو أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الصراع.
فالمواجهة الحالية تختلف عن سابقاتها لأنها تجري بشكل أكثر مباشرة ووضوحًا، ولأن حسابات الردع التقليدية أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس من أطلق الصاروخ الأول أو من يملك القدرة العسكرية الأكبر، بل إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه المواجهة قبل أن تتحول إلى حرب شاملة يصعب احتواؤها. فكل يوم إضافي من التصعيد يزيد احتمالات الخطأ في الحسابات، وكل صاروخ جديد يرفع مستوى المخاطر على الأمن الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما أن تنجح الضغوط السياسية والدبلوماسية في إعادة الأطراف إلى دائرة الاحتواء، أو أن تستمر لغة النار في فرض نفسها، لتدخل المنطقة واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات طويلة.
وحتى الآن، تبدو السماء المشتعلة فوق إيران وإسرائيل هي العنوان الأبرز لواقع لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

