برق غزة / غزة
حذّر الخبير المالي د. محمد سالم أبو يوسف، دكتوراه الفلسفة في المحاسبة، من خطورة استغلال النفوذ والعلاقات الشخصية والواسطة والمحسوبية باعتبارها من أكثر صور الفساد تأثيرًا في أداء مؤسسات القطاع العام، مؤكدًا أن الفساد لا يقتصر على الرشوة والاختلاس، بل قد يتخذ أشكالًا غير مباشرة يصعب اكتشافها وتترك آثارًا ممتدة على الإدارة العامة وثقة المواطنين.
وأوضح أبو يوسف أن التشريع الفلسطيني يتعامل مع هذه الممارسات باعتبارها صورًا من جرائم الفساد، مشيرًا إلى أن قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته يجرّم المتاجرة بالنفوذ، وإساءة استعمال السلطة، وقبول الواسطة والمحسوبية والمحاباة التي تلغي حقًا أو تحق باطلًا، وعدم الإفصاح عن حالات تضارب المصالح.
وبيّن أن المتاجرة بالنفوذ تتمثل في استغلال النفوذ الفعلي أو المفترض للحصول على منفعة غير مستحقة من جهة أو سلطة عامة، فيما تشمل الواسطة والمحسوبية قيام الموظف بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال وظيفته بناءً على توصية أو اعتبارات غير مهنية، مثل الاعتبارات العائلية أو الحزبية أو الجهوية.
وأشار إلى أن تضارب المصالح يمثل أحد الأوجه المهمة لهذه المشكلة، خصوصًا عندما تتداخل المصلحة الشخصية للموظف أو أقاربه أو المقربين منه مع قراراته الوظيفية، أو عندما تؤثر المعلومات التي يحصل عليها بحكم وظيفته في موضوعية القرار واستقلاليته.
وتشير التشريعات الفلسطينية إلى وجود نظام خاص للإفصاح عن تضارب المصالح، أقره مجلس الوزراء عام 2020، بهدف وضع إجراءات واضحة للإفصاح والحد من الحالات التي يمكن أن تؤثر في حيادية الموظف العام.
وتعكس بيانات هيئة مكافحة الفساد حجم حضور هذه القضايا في البلاغات والشكاوى.
فقد أظهر التقرير السنوي للهيئة لعام 2025 أن الشكاوى والبلاغات التي تلقتها خلال العام تضمنت 552 شكوى وبلاغًا بشأن الاشتباه في إساءة استعمال السلطة، و81 بشأن قبول الواسطة والمحسوبية والمحاباة، و9 بشأن عدم الإفصاح عن تضارب المصالح، إضافة إلى 10 بلاغات بشأن الكسب غير المشروع.
كما تظهر بيانات سابقة للهيئة أن إساءة استعمال السلطة والواسطة والمحسوبية كانتا من أبرز الجرائم التي وردت ضمن الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالقطاع العام، ما يؤكد أن مظاهر الفساد الإداري لا تقتصر على الجرائم المالية المباشرة.
ويرى أبو يوسف أن خطورة الواسطة والمحسوبية لا تتوقف عند منح منفعة لشخص بعينه، وإنما تمتد إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص وإقصاء الكفاءات، خصوصًا في مجالات التوظيف والترقيات، الأمر الذي قد ينعكس على كفاءة الجهاز الإداري وجودة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين.
وفي مجال المال العام والمشتريات والمناقصات، حذّر من مخاطر استغلال العلاقات للحصول على معلومات غير متاحة لجميع المتنافسين أو التأثير في شروط العطاءات بما يخدم جهات محددة، مؤكدًا أن مثل هذه الممارسات تضعف المنافسة وتضر بالمصلحة العامة.
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز إجراءات الوقاية والشفافية والمساءلة، وفي مقدمتها تفعيل إقرارات الذمة المالية، وتطبيق نظام الإفصاح عن تضارب المصالح، وحماية المبلغين والشهود، وتعزيز مدونات السلوك الوظيفي وتنظيم الهدايا والمنافع.
وتشير المنظومة القانونية الفلسطينية بالفعل إلى وجود نظام لحماية المبلغين والشهود في قضايا الفساد، إلى جانب نظام الإفصاح عن تضارب المصالح ومدونة للسلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة.
وفي هذا السياق، تواصل هيئة مكافحة الفساد برامجها الوقائية والتوعوية؛ إذ نظمت في يونيو/حزيران 2025 لقاءً تدريبيًا لموظفين من مؤسسات عامة حول قانون مكافحة الفساد ونظامي الهدايا وتضارب المصالح، ضمن برنامج يستهدف تحصين العاملين في المؤسسات الحكومية من شبهات الفساد.
وشدد أبو يوسف على أن حماية المال العام لا تبدأ فقط بمنع السرقة والاختلاس والرشوة، وإنما تبدأ أيضًا بمنع تحويل الوظيفة العامة إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو عائلية، مؤكدًا أن تعزيز المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص يمثل أساسًا لبناء إدارة عامة أكثر نزاهة واستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات العامة.
يُشار إلى أن قانون مكافحة الفساد الفلسطيني يفرض عقوبات على عدد من هذه الأفعال؛ إذ تصل عقوبة المتاجرة بالنفوذ والكسب غير المشروع، وفق النص الساري، إلى السجن من ثلاث إلى خمس عشرة سنة وغرامة تعادل قيمة الأموال محل الجريمة ورد الأموال المتحصلة منها، فيما يعاقب القانون على إساءة استعمال السلطة وقبول الواسطة والمحسوبية والمحاباة وعدم الإفصاح عن تضارب المصالح بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية ورد الأموال المتحصلة من الجريمة.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

