كتبت : علياء الهواري
في عمق محافظة قم الإيرانية، تتجه الأنظار إلى منشآت عسكرية تحت الأرض يحيط بها قدر كبير من السرية، وسط تقارير تتحدث عن تطوير بنية صاروخية واسعة تعتمد على الأنفاق والتحصينات الجبلية، في خطوة تعكس تحولاً متزايداً في العقيدة العسكرية الإيرانية نحو حماية القدرات الاستراتيجية من الضربات الجوية.
وتكتسب هذه التقارير أهميتها من أن إيران تمتلك بالفعل خبرة طويلة في إنشاء منشآت عسكرية تحت الأرض، خصوصاً في مجالات تخزين الصواريخ وتجهيزها وإطلاقها. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية خلال السنوات الأخيرة أعمال ترميم وتحصين في عدد من القواعد الصاروخية الإيرانية، بينها موقع في محافظة قم، بما يشير إلى استمرار طهران في إعادة بناء وتعزيز بنيتها العسكرية بعد الهجمات التي طالت منشآتها.
وتشير المعلومات المتداولة بشأن المنشأة الواقعة في قم إلى اعتمادها على شبكة من الأنفاق والممرات الداخلية التي توفر غطاءً للصواريخ والمعدات العسكرية، وتمنحها مستوى أعلى من الحماية مقارنة بالمنشآت المكشوفة. وتكمن الفكرة الأساسية في نقل الجزء الأكبر من القدرات الحساسة إلى داخل الجبال أو تحت الأرض، بحيث تصبح عملية تدميرها بالكامل أكثر تعقيداً من استهداف منشأة عسكرية تقليدية.
ولا تبدو هذه الاستراتيجية جديدة تماماً على إيران. فقد كشفت طهران في مناسبات سابقة عن قواعد صاروخية تحت الأرض تضم منشآت لإعداد الصواريخ قبل إطلاقها، فيما أظهرت تقارير متخصصة أن بعض هذه القواعد تتضمن غرفاً وتجهيزات تسمح بإعداد الصواريخ داخل الأنفاق قبل إخراجها إلى مواقع الإطلاق.
لكن ما يثير الاهتمام في منشآت قم هو ارتباط المنطقة أصلاً ببنية عسكرية ونووية شديدة التحصين. فبالقرب من قم توجد منشأة فوردو النووية المدفونة داخل الجبل، والتي أصبحت مثالاً بارزاً على اعتماد إيران سياسة التحصين العميق لحماية المنشآت الحساسة من الهجمات الجوية. وتشير مصادر متخصصة إلى أن المنشأة تقع داخل شبكة من الأنفاق والمنشآت المحمية تحت الأرض.
وبحسب ما هو متداول، قد تضم المنشأة الصاروخية مناطق للتخزين والتجهيز وربما نقاطاً مخصصة للإطلاق، إلا أن هذه التفاصيل تحديداً لم تُثبت بصورة مستقلة، ولذلك تبقى في نطاق المعلومات غير المؤكدة. كما لا تتوافر حتى الآن أدلة علنية كافية تسمح بتحديد حجم الترسانة الموجودة داخل المنشأة أو طبيعة الصواريخ التي يمكن أن تكون مرتبطة بها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه إيران إعادة بناء قدراتها العسكرية تحت ضغط الضربات التي استهدفت عدداً من قواعدها ومنشآتها الصاروخية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية، وفق تقارير حديثة، عمليات لإعادة فتح مداخل أنفاق وإصلاح منشآت متضررة، وهو ما يعكس قدرة البنية العسكرية الإيرانية على التعافي حتى بعد تعرضها لهجمات واسعة.
ويرى محللون أن القيمة الحقيقية لهذه المنشآت لا تكمن فقط في تخزين الصواريخ، وإنما في ضمان استمرار جزء من القدرة القتالية الإيرانية في حال تعرض المنشآت السطحية لضربات مكثفة. فكلما زادت قدرة طهران على توزيع ترسانتها داخل شبكة واسعة من المنشآت المحصنة، أصبح من الصعب على أي حملة جوية ضمان القضاء على المنظومة الصاروخية بأكملها.
وبذلك تتحول الأنفاق تحت جبال إيران إلى ما يشبه خط الدفاع الأخير للترسانة الصاروخية، ورسالة عسكرية مفادها أن تدمير المنشآت الظاهرة لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة الصاروخية الإيرانية. وإذا تأكدت المعلومات المتداولة حول منشأة قم وحجم أعمال التطوير فيها، فإنها ستكون مؤشراً إضافياً على أن طهران تراهن بصورة متزايدة على الحرب من تحت الأرض، حيث لا تُقاس القوة بعدد الصواريخ فقط، بل بمدى القدرة على إخفائها وحمايتها وإعادتها إلى ساحة المعركة في اللحظة المناسبة.

