بقلم: يونس صلاح
وجوه شاحبة وأعمار هرمت من كثرة النزوح، وأطفالا ضاعت طفولتهم هكذا يبدو واقع الغزيين،
لم يعد السؤال في غزة متى تنتهي الحرب فقط، بل إلى أين تتجه الحياة بعد كل ما حدث؟ سؤال ثقيل يفرض نفسه على مدينة أنهكتها الحرب، وعلى إنسان لم يعد يبحث عن رفاهية الحياة، بل عن أبسط مقوماتها: بيت آمن، ماء نظيف، غذاء، علاج، وتعليم لأطفاله.
غزة اليوم تقف أمام واقع لا يمكن تجميله. الدمار طال البيوت والشوارع والبنية التحتية، والاحتياجات الإنسانية ما زالت هائلة، فيما تحاول العائلات أن تستعيد شيئًا من حياتها وسط ظروف قاسية. وتؤكد تقارير أممية أن معظم الأسر في القطاع ما زالت تواجه ظروفًا معيشية متردية وتعتمد بدرجات كبيرة على المساعدات، مع استمرار أزمات المياه والصحة والخدمات الأساسية.
لكن السؤال الأكبر ليس عن حجم الدمار وحده، بل عن مستقبل غزة. من سيعيد بناء ما تهدم؟ من سيضمن ألا تعود المدينة إلى دائرة الحرب؟ ومن سيمنح سكانها فرصة حقيقية للخروج من حياة الطوارئ التي أصبحت واقعًا طويلًا؟
لا يمكن أن تكون إعادة الإعمار مجرد إسمنت وحديد. غزة تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وإلى مؤسسات قادرة على العمل، واقتصاد يفتح أبواب الرزق، ومدارس تعود إليها الأجيال، ومستشفيات قادرة على علاج المرضى، ومياه وكهرباء وخدمات لا تكون مرتبطة كل يوم بحسابات السياسة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المسؤولية السياسية. فاستمرار الانقسام الفلسطيني وغياب رؤية وطنية واضحة لمستقبل القطاع يضعف الموقف الفلسطيني ويترك مساحة واسعة للآخرين كي يقرروا شكل المرحلة المقبلة. غزة ليست مجرد ملف إغاثي يمكن إدارته، وليست قطعة جغرافية تنتظر من يقرر مصيرها من الخارج؛ إنها جزء من قضية وطنية وشعب له حق واضح في تقرير مستقبله.
كما أن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي. فبيانات القلق والإدانة لا تعيد منزلًا إلى صاحبه، ولا تعالج طفلًا مريضًا، ولا توفر مستقبلًا لعائلة فقدت كل شيء. المطلوب أن تتحول المواقف السياسية إلى ضغط فعلي ومسار واضح يضمن حماية المدنيين، ويدعم إعادة الإعمار، ويفتح الطريق أمام حياة مستقرة وقابلة للاستمرار.
غزة لا تريد أن تبقى عنوانًا دائمًا للكارثة، ولا أن يتحول سكانها إلى أرقام في التقارير الدولية. غزة تريد أن تعيش، وأن يعود أطفالها إلى المدارس، وأن يفتح العامل متجره، وأن يزرع المزارع أرضه، وأن يعود للمدينة صوتها الطبيعي بعيدًا عن أصوات القصف والخوف.
قد يكون السؤال «غزة إلى أين؟» سياسيًا في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال إنساني. والإجابة عنه لن تكون في المؤتمرات وحدها، بل في قدرة الجميع على صناعة واقع مختلف.
لقد تحملت غزة الكثير، لكن قدرتها على الصمود لا تعني أن العالم يملك حق تركها وحدها في مواجهة نتائج الحرب.
غزة لا تحتاج إلى من يدير أزمتها فقط، بل تحتاج إلى من يضع نهاية حقيقية لهذه الأزمة، ويفتح أمام أهلها طريقًا نحو حياة لا يكون فيها البقاء هو الإنجاز الوحيد.
