بقلم: هلال نصار
في الذكرى الأولى لإرتقاء (الملثّم)، الناطق العسكري السابق باسم كتائب عز الدين القسام، تجدد الحديث عن حضوره الرمزي وتأثيره في الوجدان الفلسطيني والعربي كأيقونة فلسطينية جسدت الرواية الحقيقية للعمليات الفدائية للمقاومة والأحداث الميدانية على الساحة السياسية والعسكرية في ظل الصراع المستمر حول المقدسات الإسلامية والثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية.
ظهر الملثم لأول مرة علنًا حوالي عام 2004، وأصبح الناطق الرسمي للجناح العسكري لحماس عقب أحداث إنتفاضة الأقصى منذ منتصف العقد الأول من الألفية، حافظ على هويته مجهولة طوال أكثر من عشرين عامًا، مرتديًا الكوفية الحمراء واللثام كرمز للثورة الفلسطينية، حتى أُعلن استشهاده رسميًا في ديسمبر 2025 بعد غارة إسرائيلية استهدفته بتاريخ 30 أغسطس 2025 في حي الرمال بمدينة غزة برفقة أفراد عائلته، فيما نجا ابنه “إبراهيم”؛ تحوّل أبو عبيدة إلى أيقونة إعلامية وعسكرية في سياق الصراع حيث لم يكن مجرد متحدث فقط!، بل أصبح صوت المقاومة الثابت اتسمت خطبه بالفصاحة واللغة العربية الفصيحة، والثبات في النبرة، وختمها دائمًا بعبارة “عز الدين القسام” الشهيرة «وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد»، ومثّل استمرارية الرواية الفلسطينية في مواجهة رواية الإحتلال، خاصة خلال الحروب المتتالية على قطاع غزة، وبرز دوره التأثيري بشكل كبير على المستوى الدولي والإقليمي بعد السابع من أكتوبر 2023 وعُرف بألقاب رمزية وتضامنية منها:
الملثّم {صاحب الكوفية الحمراء}؛ فاللثام والكوفية جعلا منه رمزًا للسرية والالتزام الأمني، وفي الوقت نفسه شخصية مألوفة يتعرف عليها الجمهور من الصوت والصورة الجزئية فقط، هذا الغموض عزز هالته الأسطورية لدى أنصاره.
رمز الصمود والإعلام المقاوم: في أوساط فلسطينية وعربية واسعة، اعتُبر صوتًا ينقل «يوميات المعركة» ويحافظ على معنويات الناس تحت القصف، ويخاطب الضمير العربي والإسلامي، كلماته انتشرت على نطاق واسع في المنصات الرقمية، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية لجيل كامل.
أما من جانب الاحتلال والروايات الغربية، يُنظر إليه كواجهة دعائية لتنظيم مصنف إرهابيًا، ومسؤولًا عن نشر رواية حماس العسكرية والسياسية.
تأثير الملثم في وعي أبناء الأمة تجاوز الخطاب العسكري إلى المستوى النفسي والثقافي في الوعي الفلسطيني، ارتبط اسمه بمراحل مفصلية (كعملية الوهم المتبدد وأسر شاليط2006، حروب2012 و2014، وطوفان الأقصى)، كثيرون وصفوه بـ«الصوت الصادق» أو «الأمل» في لحظات الحصار والدمار، وصار حضوره الإعلامي مصدر طمأنينة نسبية وسط الفوضى.
على مستوى أوسع عربيًا وإسلاميًا، أصبحت كلماته وصورته المتداولة رمزًا للمقاومة المسلحة والصمود في وجه ما يُوصف بـ«الإبادة» أو العدوان المستمر، فيما ترك نموذجًا في الإعلام المقاوم كالاعتماد على السرية، الفصاحة، والتواصل المباشر مع الجمهور عبر البيانات المصورة، مما ألهم أجيالًا لاحقة في العمل الإعلامي المقاوم، رحل صاحب الصوت، لكن كلماته وصورته بقيت حاضرة في الوجدان لدى من رأوا فيه رمزًا للثبات سواء اعتُبر بطلاً أو إرهابيًا بحسب الموقف السياسي، فإن حضوره شكّل علامة فارقة في الإعلام والصراع النفسي خلال سنوات الحرب الأخيرة على غزة.
في الذكرى الأولى لارتقاء الملثم أبو عبيدة صاحب الكوفية الحمراء رمز الثورة الحديثة والمقاومة المستمرة؛ مرور عام على رحيل أبوعبيدة أبرز استمرارية الحضور الرمزي أكثر من الفراغ الوظيفي، فالذكرى الأولى أظهرت أن غيابه الجسدي لم يمحُ أثره الإعلامي في أوساط واسعة فلسطينية وعربية، بل ملأت المنصات منشورات تستحضر سيرته وعباراته، مع مشاركة عائلته، مما يؤكد أن غيابه لم يمحُ أثره، هذا يؤكد أن دوره تجاوز «الناطق» إلى أيقونة مرتبطة بمراحل مفصلية في الحضور الإعلامي للمقاومة استمر عبر ناطق جديد تبنّى الاسم الحركي نفسه («أبو عبيدة»)، مما يشير إلى محاولة الحفاظ على الاستمرارية الرمزية لا الانقطاع، فالتحوّل من ناطق عسكري إلى رمز يتجاوز الوظيفة، حيث بدأ كمتحدث رسمي للجناح العسكري لحماس منذ منتصف العقد الأول من الألفية (ظهور علني حوالي 2004-2005). مع الوقت، وبسبب الاستمرارية الطويلة (أكثر من عشرين عامًا)، والفصاحة، والثبات في النبرة، والارتباط المباشر بأحداث ميدانية كبرى، تحوّل الملثم إلى صوت يجسد «الرواية المقاومة» في مواجهة رواية الاحتلال، لم يعد مجرد ناقل بيانات؛ أصبح يمثل استمرارية، وبث رسائل معنوية وطمأنينة نسبية تحت القصف، ورمزًا للصمود في الوعي الجمعي لدى شرائح واسعة، هذا التحوّل ناتج عن التراكم لكل ظهور في حرب أو عملية عزز الارتباط النفسي، حتى صار اسمه مرادفًا لمرحلة كاملة.
تميّز ظهوره وخطابه من خلال عدة عوامل منها:
اللغة والأسلوب: فصاحة عربية فصحى واضحة، نبرة ثابتة هادئة نسبيًا مقارنة ببعض الناطقين الآخرين، وختم دائم بعبارة عز الدين القسام «وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد».
الشكل البصري: دائمًا ملثّم، كوفية حمراء، زي عسكري، ظهور فردي أو محاط بمسلحين في بعض الحالات. هذا خلق تميزًا بصريًا فوريًا.
التوقيت والسياق: ظهوره مرتبط عادة بإعلانات عمليات، تقييم ميداني، أو ردود على تطورات، مما جعله «صوت المعركة» لا مجرد متحدث روتيني، مقارنة بالناطقين التقليديين (الذين قد يظهرون بأسمائهم أو وجوههم أو بأسلوب إداري أكثر)، كان يعتمد على الغموض + الاستمرارية + الرسالة المباشرة، مما جعله أقرب إلى رمز أسطوري لدى أنصاره.
دور إخفاء الهوية والوجه كان عاملًا مركزيًا في صناعة الصورة الرمزية لأكثر من عقدين ظل الوجه مجهولًا، والجمهور يتعرف عليه بالصوت والصورة الجزئية فقط وهذا عزز الحالة الأسطورية والسرية (رمز الالتزام الأمني) والقدرة على الاستمرار دون كشف عن هويته الشخصية.
التحوّل إلى «صوت» لا شخص محدد، مما سهل الارتباط الجماعي به، أما عندما كُشف الوجه والاسم الحقيقي بعد الإعلان الرسمي عن استشهاده (ديسمبر 2025)، بقي الرمز قائمًا لأن الصورة السابقة كانت أقوى من التفاصيل الشخصية فالغموض صنع الأسطورة أكثر مما صنعها الكشف عقب إعلان استشهاده.
الكوفية الحمراء والزي العسكري (مع اللثام)، أصبحت علامة بصرية فورية مرتبطة به شخصيًا في الوعي الفلسطيني والعربي الواسع لأن الزي العسكري أكمل بهجة الصورة كـ«مقاتل إعلامي» لا مجرد متحدث مدني، هذا الربط البصري سهّل التعرف السريع والانتشار على المنصات، وحوّل اللباس إلى جزء ثابت من الرمزية الثورية المستمرة في المخيلة الجمعية.
إدارة الخطاب خلال جولات المواجهة، لعب الملثم دورًا محوريًا في الحفاظ على رواية ميدانية متماسكة تنقل «يوميات المعركة»، رفع المعنويات تحت الحصار والقصف، مخاطبة الضمير العربي والإسلامي، والرد على روايات وأكاذيب الاحتلال في الحرب النفسية، خلال الحروب المتتالية وبعد 07أكتوبر 2023 برز بشكل خاص كصوت ثابت ينقل التقييمات والتهديدات والرسائل والبيانات المصورة سمحت بالوصول المباشر دون الاعتماد الكامل على وسائل إعلام وسيطة للتأثير على جمهور الاحتلال وتحويل البيانات إلى رسائل جماهيرية تنقل الحقائق الميدانية ومفاجئات المعركة.
استخدام البيانات المصورة والرسائل للضغط النفسي إعلانات عمليات، تحديثات عن أسرى، تهديدات، وتقييمات ميدانية.
كان الهدف منها إظهار القدرة على الاستمرار والتأثير في الرأي العام الإسرائيلي عبر الإعلام والبث المباشر.
الملثم نجح في تحويل البيانات العسكرية الجافة نسبيًا إلى محتوى يتابعه الملايين بفضل الاستمرارية، الأسلوب الفصيح، التوقيت الدقيق، والشكل البصري المميز مع الانتشار الرقمي (منصات التواصل) ضاعف الوصول، فصار الصوت مألوفًا لدى جمهور عربي واسع وحتى لدى متابعين إسرائيليين عبر التغطية الإعلامية.
ملامح إرث الملثم في إعلام المقاومة جسد نموذج الإعلام المقاوم القائم على {السرية + الفصاحة + التواصل المباشر + الاستمرارية الرمزية} مما أدى إلى (تبنّي الاسم الحركي نفسه من قبل الناطق الجديد) وتحويل الناطق العسكري إلى أيقونة ثقافية-نفسية تتجاوز الوظيفة.
الملثم ترك أساليب يمكن أن تستمر ومدرسة تحمل مناهج الوعي والإدراك والفهم في الاعتماد على بث الحقيقة والرواية الفلسطينية عبر شخصية ملثّمة ثابتة، بلغة فصيحة، وختم مميز، وربط وثيق بالميدان هذا الأسلوب ألهم أجيالًا لاحقة في العمل الإعلامي المرتبط بالمقاومة، سواء في
الشكل أو في بناء الحالة، واشتهر بشخصية مجهولة الوجه لأن الغموض + الاستمرارية الطويلة + الارتباط بأحداث مفصلية + الأسلوب المميز خلق منه رمزًا يتجاوز الفرد، والجمهور يربط الصوت والشكل الجزئي بالمرحلة والقضية، فيصبح الرمز أقوى من الشخص في سياقات الصراع المطوّل، والشخصيات المجهولة التي تحافظ على ثبات الرسالة تتحول بسهولة إلى أيقونات جمعية خاصة عندما تُقدَّم كصوت «الصدق» أو «الأمل» لدى أنصارها، أو كواجهة دعائية لدى خصومها، والتقييم النهائي يعتمد على الموقف السياسي كبطولة وصمود في رواية، أو دعاية لتنظيم إرهابي في أخرى؛ لكن الأثر الإعلامي والرمزي كان حقيقيًا وملموسًا في كلا الجانبين.

