حوار: علياء الهواري
لم تعد أوضاع الأسرى والأسيرات الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية مجرد قضية حقوقية تطرح في البيانات والتقارير، بل تحولت إلى ملف تتزايد حوله الشهادات والوقائع، خاصة مع الحديث عن التعذيب النفسي والإذلال والحرمان من أبسط الحقوق، بالتزامن مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين أثارت صدمة واسعة، كان أبرزها حديث وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن «فخره» بظروف احتجاز الأسيرات الفلسطينيات.
وللاقتراب أكثر من طبيعة ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية، وما إذا كانت الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات تمثل ممارسات فردية أم جزءًا من منظومة أوسع، اوضح فى هذا الحوار مع المحامي والناشط الحقوقي سمير المناعمة، الذي تحدث عن أنماط التعذيب النفسي التي وثقتها إفادات الضحايا والمفرج عنهم، وتوقف عند الحالة الصحية والإنسانية للأسيرة هناء طحاينة، كما تناول المسؤولية القانونية للمسؤولين الإسرائيليين، ودلالة تصريحات بن غفير وما يمكن أن تمثله في أي مسار للمساءلة.
كيف تقرأ حقوقيًا تصريح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بأنه «فخور» بتدهور ظروف احتجاز الأسيرات الفلسطينيات؟
وهل يمكن اعتبار هذا التصريح دليلًا على أن الانتهاكات ليست مجرد تجاوزات فردية وإنما سياسة رسمية؟
التعذيب النفسي أو الإذلال أصبح أحد أدوات سلطات الاحتلال فيما يتعلق بمعتقلي قطاع غزة، وتستخدم سلطات الاحتلال هذا المنهج منذ زمن بعيد، حيث يتخذ أشكالًا مختلفة داخل السجون الإسرائيلية.
وفيما يتعلق بالحرب على قطاع غزة بعد أكتوبر 2023، أفادت مقابلات المركز مع الضحايا والأشخاص المفرج عنهم بأن التعذيب يتخذ أنماطًا متعددة، أبرزها وضع الشخص المعتقل داخل غرفة أو زنزانة وتشغيل موسيقى صاخبة ومرتفعة جدًا داخلها، مما يؤدي إلى إيلام نفسي بحق الشخص المعتقل.
كذلك فإن الحرمان من الحقوق الأساسية للمعتقل يمثل أحد أوجه التعذيب النفسي أو الإذلال، ويشكل انتهاكًا للضوابط المتعلقة بمنع التعذيب والمعاملة القاسية والإنسانية والمهينة.وما تحدث به بن غفير حول فخره بأوضاع الأسيرات الفلسطينيات يمثل دليلًا على أن هذه السلطات ماضية في انتهاكاتها، كما أن التصريحات الإعلامية أو القول بالتفاخر بهذه الانتهاكات يمكن أن يمثل ركنًا معنويًا للجريمة.
فالجريمة تتكون من ثلاثة أركان، هي الركن المعنوي والمادي والشرعي، وهذه التصريحات تمثل أحد عناصر الركن المعنوي للجريمة.ومن جانب آخر، فإن وزير الأمن الإسرائيلي يمثل الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي فإن ما يصدر عنه يمثل، في هذا السياق، دلالة على السياسة الرسمية لسلطات الاحتلال المتعلقة بالانتهاكات الموجهة بحق الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية.
هل أصبح التعذيب النفسي والإذلال جزءًا من منظومة إدارة السجون الإسرائيلية، أم أن ما يحدث تجاوز حتى وصفه بأنه سياسة عقابية؟
التعذيب يمثل أسلوبًا ومنهجًا أساسيًا تستخدمه سلطات الاحتلال في التعامل مع معتقلي قطاع غزة، متجاوزًا كونه سياسة عقابية إلى كونه منهجًا ثابتًا ومتواصلًا ومستمرًا.وفي كثير من الحالات يرتبط التعذيب بمحاولة نزع الاعتراف من المعتقل، وبهذه الصورة يمثل جريمة تعذيب، لأن التعذيب يقترن دائمًا بهدف انتزاع اعتراف من الشخص المعتقل.
ونحن نتحدث عن تعذيب نفسي واسع وموثق لدينا بناءً على إفادات الضحايا، مما يجعله جريمة بموجب أحكام القوانين الدولية لحقوق الإنسان، تستوجب المحاسبة والمساءلة لمن اقترفها ومن أمر بارتكابها.الأسيرة هناء طحاينة تحدثت عن ظروف قاسية، وهي أم لستة أبناء وتعاني من أمراض مزمنة..
لماذا تتحول المرأة الفلسطينية داخل السجن إلى هدف للعقاب الجماعي؟
النساء الفلسطينيات المحتجزات في السجون الإسرائيلية يتعرضن أيضًا إلى أنماط متعددة من التعذيب، سواء الجسدي أو النفسي. وحالة الأسيرة هناء الطحاينة التي تحدثت عن تعرضها لظروف قاسية هي مثال على وقوع هذه الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، ويضاف إلى ذلك أنها تعاني من أمراض مزمنة، وهو ما يضاعف من أوجه المعاناة التي تتعرض لها.
المرأة الفلسطينية على مدار التاريخ الفلسطيني واجهت أنماطًا مختلفة من الانتهاكات الإسرائيلية، سواء داخل السجون أو خارجها، وهناك أعداد كبيرة من الفلسطينيات اللواتي قتلن، إضافة إلى الأسيرات اللواتي لا يزلن داخل السجون الإسرائيلية.
وهذه الانتهاكات تأتي ضمن سياق لا يفرق بين شخص وآخر، فهناك حرمان من المقتنيات الشخصية، وحرمان من زيارة الأهل، وفي بعض الأوقات حرمان من زيارة المحامي.
كما أن هناك اعتقالًا غير مشروع يتمثل في الاعتقال الإداري أو قانون «المقاتل غير الشرعي»، وهو قانون يسمح لسلطات الاحتلال باحتجاز الشخص دون توجيه لائحة اتهام ضده، وبالتالي يمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في ضمانات المحاكمة العادلة.وخلال الحرب، أصدرت سلطات الاحتلال تشريعات تسمح بوضع المعتقلين داخل ظروف معيشية قاسية، ومنها السماح لهم بالنوم على الأرض في حال عدم توفر فراش بسبب تكدس السجون.وبالتالي فإن حالة الأسيرة هناء تأتي ضمن سياق الانتهاكات الإسرائيلية الموجهة للأسيرات الفلسطينيات، وهو ما يتجاوز أحكام القانون الدولي.
والنساء الفلسطينيات تحولن إلى هدف للعقاب الجماعي باعتبارهن جزءًا جوهريًا من المجتمع الفلسطيني، والمرأة بما لها من قيمة اجتماعية في المجتمع الفلسطيني هي هدف أساسي لهذه السلطات، في محاولة لإسكات صوتها والنيل من إرادتها، خاصة فيما يتعلق بالحقوق السياسية للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين بشكل عام.
هل لديكم توثيق لما جرى داخل سجن الدامون؟
وهل يمكن تحديد حجم الانتهاكات التي تعرضت لها الأسيرات خلال الفترة الأخيرة؟
الانتهاكات الإسرائيلية بحق المعتقلين الفلسطينيين لا تزال متواصلة وتتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ منذ لحظة الاعتقال، التي تشهد في بعض الحالات الاعتداء بالضرب وتجريد الملابس وتقييد اليدين والقدمين، وأحيانًا إطلاق النار والاستجواب الميداني.ثم يتم نقل المعتقلين إلى السجون أو مراكز التحقيق، وهناك تبدأ مرحلة أخرى من الانتهاكات والتعذيب.
والتوثيق لدينا يستند إلى إفادات الضحايا والأشخاص المفرج عنهم، وهي إفادات تكشف عن أنماط متعددة ومتكررة من التعذيب النفسي والإذلال والحرمان من الحقوق الأساسية.إذا طلبت منك تسمية جهة واحدة تتحمل المسؤولية الأكبر عن واقع الأسيرات الفلسطينيات اليوم، فمن تسمي؟المسؤولية لا تقع فقط على الشخص الذي ينفذ الانتهاك داخل السجن، وإنما تمتد إلى من يملك سلطة إصدار الأوامر ومن يسمح باستمرار هذه الممارسات.
وعندما يصدر مسؤول حكومي تصريحات تتعلق بظروف احتجاز الأسيرات، فإن هذه التصريحات تصبح ذات أهمية عند بحث طبيعة المسؤولية، خاصة إذا كانت تتضمن قبولًا أو تفاخرًا بالانتهاكات.
لو كانت الأسيرات إسرائيليات، هل كان العالم سيتعامل مع المشهد بالصمت نفسه؟
الحقوق الأساسية لا ينبغي أن ترتبط بجنسية الضحية أو هويتها. القانون الدولي وضع لحماية الإنسان، وبالتالي فإن الانتهاك يظل انتهاكًا سواء كان الضحية فلسطينيًا أو إسرائيليًا أو من أي جنسية أخرى.والمشكلة أن التعامل الدولي مع الانتهاكات بحق الفلسطينيين لا يزال أقل من مستوى خطورة ما يجري، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية منظومة العدالة الدولية عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات الواقعة على الفلسطينيين.
وأخيرًا، هل ما فعله بن غفير في سجن الدامون مجرد استعراض أمام الكاميرات، أم أنه وثّق بنفسه واقعة قد تتحول إلى مسار قانوني يلاحقه؟التصريحات التي أدلى بها بن غفير لا يمكن النظر إليها فقط باعتبارها استعراضًا إعلاميًا، لأنها قد تحمل قيمة في سياق إثبات القصد والعلم بطبيعة الظروف التي يعيشها المعتقلون.
وعندما يتحدث مسؤول حكومي عن هذه الظروف باعتبارها أمرًا يدعو إلى الفخر، فإن ذلك يطرح مسألة المسؤولية القانونية بصورة مباشرة، خصوصًا إذا ثبت أن الانتهاكات كانت معلومة لدى الجهات المسؤولة واستمرت رغم ذلك.ولهذا فإن هذه التصريحات يجب أن تحفظ وتوثق وأن تدرس ضمن أي ملف قانوني يتعلق بالانتهاكات بحق المعتقلين والأسيرات الفلسطينيات، لأن المسؤولية لا تتوقف عند حدود من نفذ الانتهاك، وإنما تمتد إلى من أمر به أو سمح باستمراره.

