حوار : علياء الهواري_برق غزة
في ظل تصاعد التحذيرات الأوروبية من محاولات إسرائيل فرض واقع جديد في الضفة الغربية وضم أجزاء منها تبرز إسبانيا باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية وضوحا في موقفها تجاه القضية الفلسطينية لكن في الوقت نفسه تواجه حكومة بيدرو سانشيز ضغوطا سياسية وداخلية كبيرة قد تؤثر على قدرتها على التحرك خارجيا
وفي هذا الحوار تتحدث د أمينة شومان رئيسة الجالية الفلسطينية في إسبانيا والناشطة السياسية وعضو حركة فتح عن حدود الدور الإسباني وما يمكن أن تقدمه مدريد للقضية الفلسطينية وعن الموقف الأوروبي من إسرائيل كما تكشف رؤيتها لما يجري فعليا على الأرض في الضفة الغربية وتحذر من أن إسرائيل لا تنتظر قرارات سياسية وإنما تسابق الزمن لفرض واقع جديد يصعب تغييره مستقبلا
كيف تنظرين إلى الموقف الإسباني تجاه محاولات إسرائيل ضم الضفة الغربية وهل ترين أن مدريد انتقلت بالفعل من مرحلة الإدانة السياسية إلى مرحلة استخدام أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل
إسبانيا قدمت الكثير في الشأن الفلسطيني وحكومة بيدرو سانشيز تحديدا كانت من أكثر الحكومات الأوروبية التي اتخذت مواقف واضحة تجاه القضية الفلسطينية ويمكن القول إن حكومة سانشيز ورئيسها كانا من أوائل من اتخذوا مجموعة من الإجراءات والمواقف السياسية المهمة لصالح القضية الفلسطينية
لكن في الوقت نفسه يجب أن نفهم طبيعة الوضع الداخلي في إسبانيا لأن الحكومة لديها ملفات كثيرة ومعقدة تواجهها داخل الساحة الإسبانية وهناك ضغوط كبيرة من اليمين المتطرف ومن المعارضة اليمينية وخاصة حزب فوكس
هناك أيضا ضغوط شعبية ومحلية وقضايا مرتبطة بالهجرة والأوضاع الداخلية إضافة إلى ملفات فساد يتم استغلالها سياسيا ضد حكومة سانشيز وهناك اتهامات وملفات تتعلق بزوجته وشقيقه وهو ما يجعل الحكومة في حالة دفاع مستمر أمام المعارضة
وهذا كله يأتي في توقيت تستعد فيه إسبانيا لانتخابات في بداية عام 2027 ولذلك سيكون جزء كبير من تركيز الحكومة خلال الفترة المقبلة على تثبيت وضعها الداخلي ومواجهة المعارضة وحل المشاكل الداخلية
لكن هذا لا يعني أن إسبانيا تخلت عن القضية الفلسطينية بل على العكس هناك تحركات داخل البرلمان الأوروبي ومع دول أخرى اعترفت بالدولة الفلسطينية من أجل تحويل الاعتراف من موقف سياسي إلى خطوات عملية
هل تعتقدين أن إسبانيا قادرة على تغيير الموقف الأوروبي رغم الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي
إسبانيا تحاول بالفعل الدفع باتجاه موقف أوروبي أكثر توحدا تجاه القضية الفلسطينية وهناك نقاشات وتحركات مع عدد من الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية من أجل الوصول إلى إجراءات حقيقية
ومن بين الإجراءات المطروحة فرض عقوبات على شخصيات سياسية إسرائيلية وعلى جنود متورطين في الانتهاكات ومنع بعض الشخصيات الإسرائيلية المتطرفة من دخول أوروبا وهناك أيضا أفكار مرتبطة بتقييد حركة الطائرات الإسرائيلية ومنع بعض الطائرات المرتبطة بشخصيات مثل سموتريتش وبن غفير من استخدام مطارات أوروبية
لكن المشكلة أن الاتحاد الأوروبي ليس كتلة سياسية واحدة في هذا الملف وهناك دول ما زالت تتحفظ على فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية قوية تجاه إسرائيل
وهنا يأتي دور إسبانيا والدول الأوروبية التي لديها موقف أكثر وضوحا لأن عليها أن تستمر في الضغط حتى يتحول الموقف الأوروبي من مجرد بيانات وإدانات إلى إجراءات فعلية
هناك أيضا موقف بريطاني حديث تجاه منتجات المستوطنات كيف تقيمين هذه الخطوة
هذه خطوة سياسية مهمة لأنها تأتي من دولة مثل بريطانيا التي ارتبط اسمها تاريخيا ببداية المشروع الصهيوني في فلسطين وبالتالي عندما نرى موقفا بريطانيا يرفض منتجات المستوطنات فهذا تطور له دلالة سياسية
لكن في الوقت نفسه أرى أن هذه الإجراءات غير كافية لأنها تتعامل مع المستوطنين والمستوطنات وكأنهم كيان منفصل عن الحكومة الإسرائيلية
المستوطن لا يتحرك من تلقاء نفسه
المستوطن يحصل على السلاح والتمويل والحماية وهناك وزارات وشخصيات سياسية إسرائيلية تدعم هذا المشروع وعلى رأسها سموتريتش وبن غفير ولذلك فإن التعامل مع المستوطنات وحدها لا يعالج أصل المشكلة
إذا أرادت أوروبا فعلا التأثير في السياسة الإسرائيلية فعليها أن تتعامل مع الحكومة الإسرائيلية نفسها باعتبارها الجهة التي تدعم وتحرك وتمول المشروع الاستيطاني
أما التركيز على منتجات المستوطنات فقط فأعتقد أنه سيكون محدود التأثير لأن حجم هذه المنتجات التي تصل إلى الأسواق الأوروبية ليس بالحجم الذي يمكن أن يحدث ضغطا اقتصاديا كبيرا على إسرائيل
هل تعتقدين أن هذه الإجراءات الأوروبية قد تتحول إلى نوع من امتصاص غضب الشارع الأوروبي أكثر من كونها ضغطا حقيقيا على إسرائيل
هذا موجود بالفعل
هناك غضب شعبي واسع داخل أوروبا وضغوط من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب اليسارية على الحكومات الأوروبية لاتخاذ خطوات أكثر جدية تجاه ما يحدث في فلسطين
وبالتالي عندما تصدر الحكومات بعض الإجراءات المحدودة فإنها أحيانا تكون محاولة لامتصاص هذا الغضب الشعبي دون الوصول إلى الإجراءات التي يمكن أن تؤثر فعليا على الحكومة الإسرائيلية
المطلوب ليس فقط معاقبة المستوطن وإنما التعامل مع المنظومة التي صنعت المستوطن ودعمته وحمته
من وجهة نظرك كناشطة فلسطينية وعضو في حركة فتح في إسبانيا هل ما يحدث في الضفة الغربية يمثل تمهيدا فعليا لضم تدريجي للأراضي الفلسطينية
ما يحدث في الضفة الغربية تجاوز فكرة التوسع الاستيطاني وأصبح بالنسبة لنا مشروعا واضحا لفرض واقع جديد وإنهاء اتفاق أوسلو على الأرض
اليوم مناطق أ وب وج لم تعد كما كانت في السابق لأن الجيش الإسرائيلي والمستوطنين أصبحوا موجودين في مناطق واسعة منها وهناك مئات البؤر الاستيطانية ومصادرة مستمرة لآلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الفلسطينية
وهناك أيضا ما يعرف بالاستيطان الرعوي حيث تتم سرقة مواشي الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي وتحويلها إلى مناطق رعوية يستخدمها المستوطنون
إضافة إلى ذلك هناك هدم للبيوت والاستيلاء على المنازل وفرض البوابات الحديدية والحواجز العسكرية
لدينا اليوم حوالي 1200 بوابة حديدية في الضفة الغربية ونحو 800 حاجز عسكري إلى جانب جدار الفصل
وهذا كله يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويل القرى والمدن الفلسطينية إلى مناطق معزولة عن بعضها
ما خطورة هذه السياسة على مستقبل الدولة الفلسطينية
الخطورة أنها لا تترك دولة فلسطينية متصلة جغرافيا يمكن أن تقوم عليها دولة في المستقبل
إسرائيل تعمل على ربط المستوطنات ببعضها البعض من خلال الطرق والجدار ونقاط التفتيش وفي المقابل تفصل القرى والمدن الفلسطينية عن بعضها
كل قرية تصبح معزولة عن القرية الأخرى ببوابة أو حاجز وهذا يجعل الوصول بين المناطق الفلسطينية صعبا للغاية
والأخطر أن هذا الوضع يسهل على المستوطنين الاعتداء على القرى الفلسطينية لأن أي قرية أخرى قد لا تستطيع الوصول إليها بسرعة لمساعدتها
نحن أمام سياسة تهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات منفصلة
وماذا عن الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية
هناك ضائقة مالية متعمدة
إسرائيل تضغط من خلال تجميد أموال وضرائب السلطة الفلسطينية وتضييق الخناق على البنوك الفلسطينية وهذا جزء من سياسة الضغط على السلطة وعلى المجتمع الفلسطيني بالكامل
عندما تمنع السلطة من الحصول على أموالها وتضغط على البنوك وتمنع الفلسطيني من التنقل بحرية بين مناطق الضفة فأنت لا تتعامل مع مشكلة أمنية فقط وإنما تحاول إنهاك المجتمع الفلسطيني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا
هل ترين أن إسرائيل تسابق الزمن قبل الانتخابات الإسرائيلية لفرض واقع جديد في الضفة الغربية
بالتأكيد
إسرائيل تسابق الزمن لأن الأرض التي تتم مصادرتها والسيطرة عليها من الصعب استعادتها بعد ذلك
أي أرض تحصل عليها إسرائيل اليوم وتحولها إلى واقع استيطاني جديد تصبح استعادتها مستقبلا أكثر صعوبة
ولهذا نحن نرى تصعيدا في المصادرة والاستيطان والبؤر الاستيطانية والطرق والجدار والحواجز
الهدف هو خلق واقع جديد على الأرض قبل أي استحقاقات سياسية يمكن أن تفرض حلا أو تسوية
وأنا أعتقد أن الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام قد تكون من أسوأ الفترات التي تمر بها القضية الفلسطينية لأن ما يجري في الضفة لا يتعلق فقط بتوسيع المستوطنات وإنما بمحاولة الإجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني
هل تعتقدين أن الهدف النهائي هو إنهاء مشروع الدولة الفلسطينية
نعم وهذا هو الخطر الأكبر
المشروع الذي نراه اليوم يقوم على فصل الفلسطينيين عن بعضهم البعض وضم الأراضي والسيطرة على الموارد والضغط اقتصاديا على السلطة وفرض واقع استيطاني جديد
وفي الوقت نفسه هناك محاولة لربط الضفة الغربية بما يحدث في قطاع غزة من خلال واقع اقتصادي وأمني وسياسي شديد الصعوبة
والهدف في النهاية هو إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة
ولهذا فإن القضية اليوم لم تعد فقط قضية مستوطنات جديدة أو قرار ضم رسمي
لأن الضم يمكن أن يحدث على الأرض قبل أن يصدر أي قرار قانوني أو سياسي
ما يحدث فعليا هو عملية ضم تدريجي للأرض وفرض أمر واقع جديد
إذا استمرت إسرائيل في هذه السياسة رغم التحذيرات الأوروبية فما الخطوة التي تنتظرونها من إسبانيا
نحن نريد من إسبانيا أن تنتقل من مرحلة الضغط السياسي داخل الاتحاد الأوروبي إلى الضغط من أجل اتخاذ إجراءات أوروبية مباشرة
إذا كانت أوروبا جادة في الدفاع عن حل الدولتين وفي الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية فعليها أن تستخدم أدواتها السياسية والاقتصادية
لا يكفي أن نقول إن الاستيطان غير قانوني ثم نترك الحكومة الإسرائيلية تستمر في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي
ولا يكفي أن نعاقب مستوطنا أو نمنع منتجا من الدخول إلى أوروبا بينما الحكومة التي تقف خلف المشروع الاستيطاني تستمر في الحصول على علاقات سياسية واقتصادية طبيعية
المطلوب أن يكون هناك ثمن سياسي واقتصادي حقيقي لسياسة الضم والاستيطان
وفي النهاية أعتقد أن أوروبا أمام اختبار حقيقي
إذا كانت الدول الأوروبية تريد فعلا الحفاظ على حل الدولتين فعليها أن تتحرك الآن لأن ما يجري على الأرض قد يجعل الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة مجرد فكرة نظرية
إسرائيل تحاول أن تجعل الواقع يسبق السياسة
ولهذا فإن المعركة الحقيقية الآن ليست فقط على الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنما على الأرض نفسها
ومن يفرض واقعا جديدا على الأرض اليوم سيكون هو صاحب الكلمة غدا

