بقلم / يونس صلاح
لم يعد بنيامين نتنياهو يكتفي بإطلاق التهديدات من خلف المكاتب أو عبر التصريحات السياسية، بل اختار أن يقف على أرض سورية تحت السيطرة الإسرائيلية ليوجه رسائله إلى دمشق، في مشهد يكشف بوضوح طبيعة العقلية التي تحكم سياسة الاحتلال تجاه سوريا والمنطقة. فالمسألة لم تعد مجرد هواجس أمنية أو مخاوف حدودية كما تحاول حكومة الاحتلال تقديمها، وإنما تبدو أقرب إلى محاولة فرض إرادة سياسية وعسكرية على دولة ذات سيادة، مستغلة مرحلة التحول التي تعيشها سوريا لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفق الرؤية الإسرائيلية.
وقوف نتنياهو في جبل الشيخ لم يكن مجرد صورة إعلامية، فالمكان في حد ذاته يحمل رسالة سياسية ثقيلة. أن يقف رئيس حكومة الاحتلال على أرض سورية ويتحدث منها عن مستقبل الأمن والحدود والقوات الموجودة في المنطقة، يعني أن الاحتلال يحاول تقديم سيطرته العسكرية باعتبارها حقيقة سياسية لا يجوز تجاوزها. إنها لغة الأمر الواقع؛ لغة تقول لدمشق إن إسرائيل لا تريد فقط مراقبة ما يحدث في سوريا، بل تريد أن تكون طرفًا يحدد ما يمكن أن يحدث داخل الأراضي السورية.
وهنا تكمن خطورة الرسالة.
فالاحتلال يحاول أن يجعل من مفهوم الأمن الإسرائيلي مظلة مفتوحة لتبرير التوسع العسكري، وكلما تغيرت الظروف تغير معها تعريف التهديد، وكلما ظهرت معادلة سياسية جديدة جرى البحث عن مبرر أمني لإبقائها تحت الضغط. وبهذه الطريقة يتحول الأمن من حق مشروع إلى أداة للهيمنة، ويتحول السلاح من وسيلة دفاع إلى وسيلة لفرض شروط سياسية على الآخرين.
أما الرسالة الموجهة إلى أحمد الشرع، فهي في جوهرها محاولة لوضع القيادة السورية أمام معادلة مفروضة مسبقًا: لا سيطرة كاملة على الجنوب من دون موافقة إسرائيلية، ولا انتشار عسكري وفق القرار السوري وحده، ولا إعادة بناء للقوة السورية بعيدًا عن الحسابات الأمنية التي تضعها تل أبيب. وهذا بحد ذاته يمثل تحديًا مباشرًا لفكرة السيادة السورية، لأن الدولة التي لا تستطيع أن تقرر شكل انتشار قواتها داخل حدودها تصبح أمام واقع أمني تتحكم فيه قوة خارجية.
والمفارقة أن إسرائيل تتحدث عن الأمن وهي تمارس السيطرة العسكرية على أرض سورية. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أي أمن هذا الذي يحتاج إلى احتلال الأرض المجاورة؟ وأي استقرار يمكن أن يولد من فوهة السلاح ومنطق التهديد؟ إن الأمن الذي يقوم على إخضاع الآخرين ليس أمنًا مستدامًا، وإنما هدنة مؤقتة تظل قابلة للانفجار عند أول تغيير في موازين القوى.
إن نتنياهو يدرك أن سوريا تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وأن القيادة الجديدة أمام ملفات داخلية وإقليمية ضخمة، ولذلك فإن الضغط الإسرائيلي يأتي في توقيت محسوب. فالاحتلال يريد استثمار هشاشة المرحلة، وفرض وقائع جديدة قبل أن تستعيد الدولة السورية كامل قدرتها على الحركة، وربما يريد أن يجعل أي تفاوض مستقبلي يبدأ من واقع فرضته الدبابات لا من قاعدة القانون والسيادة.
لكن سوريا ليست مجرد ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب المصالح الإسرائيلية. وإذا كانت دمشق تحاول اليوم إعادة بناء الدولة، فإن واحدة من أهم معاركها ستكون استعادة القرار الوطني ومنع تحويل أراضيها إلى مناطق نفوذ دائمة للقوى الخارجية. وهذه المعركة لن تكون بالضرورة عسكرية؛ فقد تكون سياسية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية، لكنها في جميع الأحوال ستدور حول سؤال واحد: من يملك القرار في الجنوب السوري؟
الاحتلال يريد أن يجيب عن هذا السؤال بالقوة، بينما يفترض أن تجيب عنه الدولة السورية بسيادتها. وبين الإجابتين يقف الجنوب أمام مرحلة خطرة، لأن استمرار فرض الوقائع العسكرية قد يجعل التوتر أكثر قابلية للتحول إلى اشتباك مباشر، خصوصًا إذا اعتقد أي طرف أن الطرف الآخر لن يرد أو أنه غير قادر على الرد.
والأخطر أن سياسة التهديد المستمر قد تدفع المنطقة إلى سباق جديد من الحسابات العسكرية. فكل خطوة إسرائيلية ستدفع دمشق إلى إعادة حساباتها، وكل تحرك سوري قد تعتبره إسرائيل تهديدًا يستوجب الرد، وهكذا تتحول الحدود إلى مساحة اختبار مفتوحة، وتصبح احتمالات الخطأ وسوء التقدير أكبر من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.
إن ما يفعله نتنياهو اليوم لا ينبغي قراءته بمعزل عن سياسته العامة في المنطقة. فمن غزة إلى لبنان وسوريا، يراهن الاحتلال بصورة متزايدة على القوة العسكرية باعتبارها الوسيلة الأكثر قدرة على صناعة الوقائع. غير أن التاريخ يقول إن القوة تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال إرادة الشعوب إلى الأبد، وأن السيطرة العسكرية مهما بدت قوية تبقى معرضة للتآكل عندما تتحول إلى مشروع دائم قائم على الإكراه.
ولهذا فإن التحدي أمام الشرع لا يتمثل فقط في كيفية الرد على نتنياهو، وإنما في كيفية منع تحول التهديد الإسرائيلي إلى قاعدة سياسية جديدة في سوريا. فقبول الأمر الواقع اليوم قد يعني غدًا شروطًا أكبر، والشروط الأكبر قد تتحول لاحقًا إلى حدود أمنية مفروضة، ثم إلى واقع سياسي يصعب تغييره.
إن المنطقة أمام لحظة لا تحتمل المغامرة. فالحرب ليست لعبة سياسية، والتهديد ليس مجرد خطاب إعلامي عندما يصدر عن حكومة تمتلك قوة عسكرية هائلة. وأي خطأ في الحسابات قد يفتح بابًا لا يستطيع أحد معرفة أين ينتهي، خصوصًا في منطقة أنهكتها الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية.
لقد اعتاد الاحتلال أن يتحدث من موقع القوة، وأن يحاول جعل الآخرين يتعاملون مع وقائعه باعتبارها قدرًا لا يمكن تغييره. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو: هل يستطيع نتنياهو أن يفرض على سوريا مستقبلًا أمنيًا بالتهديد، أم أن دمشق ستتمكن من تحويل المعركة من مواجهة عسكرية مباشرة إلى معركة سياسية عنوانها السيادة ورفض الإملاءات؟
إن جبل الشيخ ليس مجرد قمة في الجغرافيا السورية؛ إنه اليوم عنوان لصراع أكبر على القرار والسيادة ومستقبل المنطقة. ووقوف نتنياهو هناك قد يكون رسالة قوة، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم القلق الإسرائيلي من سوريا الجديدة ومن احتمال استعادة الدولة السورية لقدرتها على اتخاذ قرارها بعيدًا عن الوصاية والتهديد.
وفي النهاية، فإن الاحتلال يستطيع أن يرفع الجدران والحواجز، وأن يحرك الدبابات والطائرات، وأن يطلق التهديدات من فوق الجبال، لكنه لن يستطيع أن يمنح وجوده شرعية لمجرد أنه فرضه بالقوة. فالسيادة لا تُمنح من تل أبيب، والحدود لا ترسمها التهديدات، ومستقبل سوريا لا ينبغي أن يكون ورقة في يد نتنياهو أو حكومته.

