بقلم: يونس صلاح
سقطت عمارة السعادة، ولم يسقط معها الإسمنت وحده، بل سقطت تحت ركامها حكايات عائلات كاملة، وأحلام أطفال، وقلوب أمهات وآباء كانوا يتمنون أن يعيشوا يومًا عاديًا بعيدًا عن الخوف والموت. سقطت العمارة، وسقط معها أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في غزة.
وفي مكان آخر، حين سقط الطفل المغربي ريان في بئر، اهتز العالم كله. تابع الملايين تفاصيل عملية الإنقاذ، وامتلأت مواقع التواصل بالدعاء والتعاطف، وتحولت مأساة طفل واحد إلى قضية إنسانية عابرة للحدود. كان ذلك مشهدًا مؤثرًا، ويحق لكل طفل أن يحظى بهذا القدر من التعاطف والاهتمام.
لكن السؤال الذي يوجع غزة ليس: لماذا تعاطف العالم مع ريان؟
بل: لماذا لا يحظى أطفال غزة بالاهتمام الإنساني نفسه؟
لماذا عندما يسقط طفل في غزة تحت الركام لا تتوقف الشاشات بالقدر ذاته؟ لماذا لا يصبح اسمه حديث العالم؟ لماذا لا تتجه الأنظار إلى أمه التي تبحث بين الحجارة عن طفلها، وإلى الأب الذي يقف عاجزًا أمام منزل تحول إلى أنقاض، وإلى الأطفال الذين يكبرون وهم يعرفون أصوات القصف أكثر مما يعرفون أصوات اللعب؟
غزة لا تطلب أن يُنسى ريان، ولا تطلب أن يقلّ التعاطف مع أي طفل في العالم. غزة تسأل فقط: أليس طفل غزة طفلًا أيضًا؟
أليس له قلب يخاف؟
أليس له أم تنتظر عودته؟
أليس له سرير ودمية ودفتر مدرسة؟
أليس من حقه أن يعيش بدلًا من أن يتحول إلى رقم في خبر عاجل؟
المؤلم في غزة أن الموت لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل صار جزءًا من الحياة اليومية. وبينما يتعامل العالم مع بعض المآسي باعتبارها صدمة إنسانية تستحق التضامن، تبدو مأساة غزة في كثير من الأحيان وكأنها خبر عابر يمر بين الأخبار.
وراء كل رقم في غزة إنسان.
وراء كل طفل شهيد أمٌّ انكسر قلبها.
وراء كل منزل مدمر عائلة فقدت المكان والذكريات والأمان.
وراء كل صورة من تحت الركام قصة لم تُكتب كاملة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يموت فقط، بل أن يموت ولا يهتم أحد.
غزة لا تريد شفقة العالم، بل تريد أن يرى العالم إنسانيتها. تريد أن يُنظر إلى ضحاياها باعتبارهم بشرًا لهم أسماء ووجوه وأحلام، لا مجرد أرقام تتكرر في نشرات الأخبار.
حين سقط ريان في البئر، شعر العالم بالخوف على طفل لا يعرفه. وهذا هو جوهر الإنسانية: أن نتألم لألم إنسان آخر حتى لو لم نعرفه.
وغزة اليوم تسأل العالم السؤال ذاته:
إذا كان التعاطف لا يعرف الحدود، فلماذا أصبحت حدود غزة جدارًا يفصل الألم عن ضمير العالم؟
لا تجعلوا كثرة المآسي سببًا للاعتياد عليها.
ولا تجعلوا تكرار صور الموت سببًا للصمت.
فالطفل الذي يولد في غزة لا يختار الحرب، والمرأة التي تفقد أبناءها لا تختار الفقد، والعائلة التي تبحث عن مأوى لا تختار النزوح.
غزة ليست رقمًا.
غزة ليست خبرًا عابرًا.
غزة بشر.
وحين يسقط الأبرياء تحت الركام، فإن الصمت لا يصبح حيادًا في نظر من فقدوا أحباءهم؛ بل يصبح شعورًا قاسيًا بأن العالم رأى المأساة، ثم اختار أن يدير وجهه.
غزة لا تطلب من العالم أن يبكي أكثر، بل أن يرى أكثر، وأن يتذكر أن حياة الإنسان لها القيمة نفسها، مهما كان مكانه، ومهما كان اسمه، ومهما كان لون جواز سفره.

