فلسطين- برق غزة
كان فجر السابع عشر من حزيران/يونيو عام 1930 مختلفًا في فلسطين. في سجن عكا، كانت ثلاث حكايات فلسطينية تستعد لنهايتها، أو هكذا ظنّ الذين أصدروا حكم الإعدام.
في ذلك الصباح، كان محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي ينتظرون تنفيذ الحكم الذي صدر بحقهم بعد أحداث عام 1929. ثلاثة رجال جمعتهم الزنازين، ووحدهم المصير، لكن لكل واحد منهم حكاية وحياة ومدينة وذكريات تركها خلفه.
كان محمد جمجوم من الخليل، وعطا الزير من الخليل أيضًا، بينما جاء فؤاد حجازي من صفد. وبين الخليل وصفد، جمعت عكا أسماءهم في سجن واحد، قبل أن تجمعهم المشنقة في يوم واحد.
لم يكن الانتظار سهلًا.
وراء جدران السجن، كانت الساعات تمر ببطء، بينما كانت فلسطين في الخارج تتابع أخبار الرجال الثلاثة. لم تكن عائلاتهم وحدها تنتظر، بل كان شعب كامل يعرف أن ثلاثة من أبنائه يقفون أمام حكم قاسٍ لا رجعة فيه.
وحين جاء موعد التنفيذ، خرج الرجال الثلاثة نحو مصيرهم.
لم يكن المشهد مجرد تنفيذ لحكم بالإعدام؛ كان لحظة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية. ففي ذلك اليوم، تحولت أسماء ثلاثة رجال إلى رموز يتناقلها الناس، وتحول يوم إعدامهم إلى ما عُرف في الذاكرة الفلسطينية بـ«الثلاثاء الحمراء».
كان يمكن أن تنتهي الحكاية عند لحظة سقوط الأجساد، لكن التاريخ كان يخبئ لها فصلًا آخر.
فبعد رحيلهم، لم تختفِ أسماؤهم. دخلت قصتهم الشعر والأغنية والذاكرة الشعبية، وكتب الشاعر إبراهيم طوقان قصيدته الشهيرة التي خلدت الرجال الثلاثة، فأصبح جمجوم والزير وحجازي أكثر من ثلاثة أسماء في كتاب تاريخ.
أصبحوا حكاية.
حكاية أم فلسطينية تحكي لأبنائها عن رجال لم تعرفهم شخصيًا، لكنها حفظت أسماءهم. وحكاية طالب يتعلم في المدرسة أن فلسطين كانت يومًا تصنع من آلامها ذاكرة. وحكاية شاعر وجد في موت ثلاثة رجال مادة لقصيدة بقيت حية بعد رحيل أصحابها.
محمد جمجوم لم يعد مجرد شاب من الخليل.
وعطا الزير لم يعد مجرد اسم في سجل المعتقلين.
وفؤاد حجازي لم يعد مجرد رجل من صفد.
لقد أصبح الثلاثة جزءًا من ذاكرة وطنية امتدت عبر الأجيال.
واللافت في قصتهم أن الذين أرادوا أن يجعلوا من الإعدام نهاية لحياتهم، لم يستطيعوا أن يجعلوا منه نهاية لأسمائهم. فالموت أنهى حياة الرجال، لكنه لم يستطع أن ينهي الحكاية.
وبعد مرور عقود طويلة، ما زال الفلسطينيون يستعيدون أسماءهم، وما زالت قصة الثلاثة الذين صعدوا إلى المشنقة معًا تحمل في داخلها معنى أكبر من اللحظة نفسها.
إنها حكاية عن الذاكرة، وعن أسماء يستطيع الزمن أن يبعد أصحابها عن الحياة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمحوها من وجدان الناس.
في عكا، انتهت حياة ثلاثة رجال.
لكن في فلسطين، بدأت حكايتهم.
محمد جمجوم.. عطا الزير.. فؤاد حجازي.
ثلاثة أسماء، ثلاثة مصائر، وحكاية واحدة بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية.
قسم التحرير – وكالة برق غزة الإعلامية

