يونس صلاح _ برق غزة
دخلت خطة نيكولاي ملادينوف بشأن غزة مرحلة أكثر تفصيلًا، مع طرح آليات عملية لتنفيذ المرحلة المقبلة من وقف إطلاق النار، تقوم على سلسلة مترابطة تبدأ بتثبيت التهدئة والتحقق من الالتزامات، وتمر بملف السلاح والإدارة الانتقالية والانسحاب الإسرائيلي، وصولًا إلى التعافي وإعادة إعمار القطاع.
وبحسب ما عرضه ملادينوف، فإن الخطة لا تقوم على جدول زمني جامد بقدر اعتمادها على آلية تحقق؛ أي أن الانتقال من خطوة إلى أخرى سيكون مرتبطًا بالتأكد من تنفيذ الخطوة السابقة على الأرض.
السلاح مقابل الانسحاب
في قلب الخطة يأتي ملف سلاح الفصائل الفلسطينية، إذ تتضمن خارطة الطريق وضع الأسلحة خارج الخدمة وتسليمها إلى جهة فلسطينية انتقالية تحت إشراف دولي، بالتوازي مع ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي على مراحل.
وتطرح الخطة بذلك معادلة أمنية وسياسية شديدة الحساسية: كل تقدم في ملف السلاح يقابله تقدم في إعادة الانتشار والانسحاب، على أن تخضع الخطوات لعملية تحقق قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وهذه النقطة تمثل جوهر الخلاف حول الخطة، خصوصًا مع استمرار التباين بشأن ترتيب الأولويات؛ إذ يتمسك الجانب الإسرائيلي، وفق تقارير حديثة، بنزع السلاح كشرط أساسي، بينما ترتبط الخطة بانسحاب تدريجي متبادل مع تنفيذ الالتزامات.
لجنة وطنية لإدارة غزة
الشق الثاني من الخطة يتعلق بإدارة القطاع. فقد أعلن ملادينوف أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة أصبحت جاهزة لتولي مهامها تدريجيًا، على أن تتولى الخدمات العامة والإدارة المدنية والملفات المالية، إلى جانب دعم التعافي وإعادة الإعمار.
وتؤكد الخطة أن هذه الإدارة انتقالية وليست بديلًا دائمًا عن السلطة الفلسطينية، بل يُنظر إليها كجسر لإعادة تنظيم الوضع المدني في غزة وتهيئة الظروف أمام أفق سياسي فلسطيني أوسع.
وقد أعدت اللجنة، وفق التصريحات الأخيرة، خطة للتعافي تضم 71 برنامجًا تشمل المساعدات الإنسانية والبنية التحتية والأمن والخدمات الأساسية.
قوة دولية وآلية مراقبة
وتتضمن الخطة أيضًا وجود قوة استقرار دولية، إلى جانب آلية للرصد والامتثال لمتابعة تنفيذ الالتزامات والتحقق من الخروقات.
وتكمن أهمية هذا البند في محاولة منع تحول أي حادث ميداني إلى انهيار شامل للتهدئة، عبر وجود جهة تراقب تنفيذ الأطراف لما تم الاتفاق عليه وتتابع الانتقال بين المراحل.
من وقف النار إلى الإعمار
لا تتوقف الخطة عند الجانب الأمني، إذ تربط المرحلة الانتقالية ببدء التعافي وإعادة الإعمار.
وتحتاج غزة إلى إعادة تشغيل الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية وتوفير المأوى والمساعدات، قبل الانتقال إلى عملية إعادة إعمار واسعة وطويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يجري بالفعل إعداد برامج فلسطينية للتعافي وإعادة الإعمار، بينما قدرت دراسة محدثة للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار.
الاختبار الحقيقي للخطة
لكن نجاح خارطة ملادينوف لن يتوقف على الإعلان عنها، بل على قدرتها على الانتقال من الورق إلى الأرض.
فالخطة تربط بين ملفات شديدة التعقيد: وقف إطلاق النار، السلاح، الانسحاب، الإدارة الفلسطينية، القوة الدولية، المساعدات والإعمار. وأي تعثر في ملف واحد يمكن أن يؤثر في بقية المسار.
وفي أحدث تصريحاته، شدد ملادينوف على ضرورة عودة القوات الإسرائيلية إلى الحدود المتفق عليها، مؤكدًا أن تنفيذ الخطة سيكون خطوة بخطوة، مع التحقق من إنجاز كل مرحلة قبل الانتقال إلى التالية.
وبذلك، تبدو خطة ملادينوف محاولة لتحويل وقف إطلاق النار من حالة مؤقتة إلى مسار متكامل لما بعد الحرب؛ يبدأ بالأمن، ويمر بإدارة القطاع، وينتهي بإعادة الإعمار وفتح الطريق أمام ترتيبات سياسية فلسطينية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الأطراف تنفيذ هذه المعادلة المعقدة على الأرض، أم تصطدم الخطة مجددًا بعقدة السلاح والانسحاب قبل أن تصل غزة إلى مرحلة الإعمار؟
