تقرير:علياء الهواري_برق غزة
في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، هناك محطات لا تقاس بحجمها الميداني المباشر، بل بما تركته من أثر تنظيمي وفكري على ما بعدها. عملية الهروب من سجن غزة المركزي، التي تأتي ذكراها متزامنة مع انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي، هي واحدة من تلك المحطات المفصلية. لم تكن مجرد محاولة للخلاص من قضبان السجن، بل كانت الإعلان العملي الأول عن ولادة تنظيم أراد أن يشق طريقه الخاص، بأدواته وأفكاره المختلفة عن السائد آنذاك.
لفهم أهمية هذه العملية، يجب العودة إلى سياق أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات في قطاع غزة. كان العمل الوطني يعيش حالة من المد والجزر، والاحتلال يطبق قبضته الأمنية بقوة على كل محاولة لتشكيل أطر جديدة. في تلك الفترة، كان عدد من الشباب الملتزمين بالفكر الإسلامي الثوري، والذين تأثروا بالثورة الإسلامية في إيران وبفكر الشهيد فتحي الشقاقي، يبلورون رؤية مختلفة للمواجهة. لم يكن هؤلاء الشباب جزءا من التنظيمات القائمة، بل كانوا يبحثون عن مسار جديد يربط بين البعد العقائدي والبعد الجهادي المباشر ضد الاحتلال.
اعتقال هذه المجموعة ووضعها في سجن غزة المركزي، الذي كان يعتبر من أكثر السجون تحصينا وإحكاما في القطاع، شكل نقطة تحول. السجن لم يكن مجرد مكان احتجاز، بل كان بالنسبة للاحتلال مركزا للسيطرة الأمنية، وبالنسبة للمعتقلين كان ساحة لصياغة الأفكار. داخل زنازين غزة المركزي، لم يكن النقاش يدور حول كيفية قضاء فترة الحكم، بل حول كيفية الخروج من حالة الجمود التنظيمي، وكيفية تحويل الاعتقال إلى فرصة للبناء.
هنا تأتي عملية انتزاع الحرية. الرواية التنظيمية للحركة تتحدث عن أن القرار بالهروب لم يكن قرارا فرديا للنجاة بالنفس، بل كان قرارا جماعيا مدروسا له هدفان. الأول هو كسر هيبة المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تقدم سجن غزة المركزي كنموذج لا يمكن اختراقه. والثاني، وهو الأهم، هو توفير كادر قيادي حر يستطيع التحرك في الميدان لتأسيس العمل التنظيمي الحقيقي للحركة خارج أسوار السجن. بقاء الجميع داخل السجن كان يعني بقاء الفكرة حبيسة الجدران، والخروج كان يعني إطلاقها إلى الشارع.
التخطيط للعملية استغرق شهورا طويلة. لم يعتمد على أدوات معقدة، بل على دراسة دقيقة لروتين السجن، ونقاط ضعفه، وحركة السجانين، والثغرات في نظام المراقبة. هذا النمط من التخطيط هو ما ميز لاحقا عمليات حركة الجهاد الإسلامي، التركيز على المعلومة الدقيقة والصبر الطويل بدلا من الارتجال. تمكنت المجموعة من تنفيذ خطتها والخروج من السجن المركزي في عملية أربكت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في غزة، التي لم تكن تتوقع أن يتمكن معتقلون إسلاميون، لا يملكون إمكانيات لوجستية كبيرة، من اختراق منظومتها.
أثر العملية كان فوريا وعميقا. على المستوى الأمني، دفعت الاحتلال إلى إعادة تقييم إجراءاته داخل السجون، لكن على المستوى الفلسطيني الداخلي، كان الأثر أكبر بكثير. خروج هذه المجموعة سمح لها بالالتقاء مجددا في الخارج، وإعادة تنظيم الصفوف، وتحويل الأفكار التي نوقشت داخل السجن إلى هيكل تنظيمي بدأ يظهر في المساجد والجامعات، وخاصة في الجامعة الإسلامية بغزة. يمكن القول إن سجن غزة المركزي كان المختبر الفكري، وعملية الهروب كانت لحظة الخروج من المختبر إلى الواقع.
وللتأكيد على أهمية هذه العملية في مسار الحركة، يجب وضعها في سياق مقارن مع عمليتي هروب أخريين شكلتا وجدان الحركة الأسيرة الفلسطينية بشكل عام، وهما عملية الهروب من سجن شطة عام 1958 وعملية نفق جلبوع عام 2021.
عملية سجن شطة، رغم أنها قديمة، بقيت في الذاكرة كأول عملية هروب جماعية منظمة من سجن إسرائيلي، ونفذها مناضلون من جيل التأسيس. أهميتها كانت رمزية في إثبات أن السجن ليس نهاية المطاف. أما عملية جلبوع، فقد كانت الأكثر تطورا من الناحية الهندسية والإعلامية، واستطاعت أن تضع قضية الأسرى في واجهة الأحداث العالمية لأيام طويلة، نظرا لما رافقها من زخم إعلامي وقدرتها على اختراق سجن يوصف بأنه الأكثر تأمينا في العالم.
لكن عملية غزة المركزي تختلف عن الاثنتين في جوهرها. فبينما كانت شطة وجلبوع عمليات انتزاع حرية بامتياز، هدفهما الأساسي هو التحرر من الأسر، كانت عملية غزة المركزي عملية تأسيس تنظيمي بامتياز. لم يكن الهدف فقط أن يصبح الشخص حرا، بل أن تصبح الفكرة حرة وقادرة على الحركة. لذلك، في أدبيات حركة الجهاد الإسلامي، لا يتم التعامل مع هذه العملية كذكرى بطولية فقط، بل كيوم تأسيسي ثان، لأنها وفرت الشرط الميداني لانطلاق العمل العلني والسري للحركة في قطاع غزة والضفة الغربية.
الشخصيات التي شاركت في تلك العملية، والتي أصبحت لاحقا من الرعيل الأول للحركة، لعبت دورا محوريا في صياغة وثائق الحركة الأولى، وفي بناء خلاياها العسكرية الأولى التي نفذت عمليات في منتصف الثمانينيات، والتي مهدت لمرحلة الانتفاضة الأولى. لولا عملية الهروب، لبقيت تلك الكوادر داخل السجن لسنوات إضافية، ولتأخرت انطلاقة الحركة التي أعلن عنها رسميا في عام 1981.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال عملية سجن غزة المركزي تدرس في أطر الحركة ليس من باب التاريخ، بل من باب المنهج. الفكرة التي تروج لها الحركة هي أن التنظيم القوي يولد من قلب الأزمة، وأن السجن يمكن أن يتحول من مقبرة للأفكار إلى مصنع لها، إذا وجدت الإرادة. وهذا ما يجعل هذه العملية شرارة العمل التنظيمي، وليست مجرد حدث عابر في سجل المواجهة مع الاحتلال.
الاحتفاء السنوي بهذه العملية في ذكرى الانطلاقة، ليس احتفاء بالماضي بقدر ما هو تأكيد على استمرارية الفكرة التي انطلقت من زنزانة في غزة المركزي، لتصل إلى كل المخيمات والمدن.

