بقلم / يونس صلاح
ثلاث سنوات تبدو طويلة على التقويم، لكنها قصيرة جدًا في ذاكرة شعب ما زال يعيش آثارها كل يوم.
في السابع من أكتوبر 2023، لم تستيقظ فلسطين على حدث منفصل عن تاريخها، ولم يستيقظ العالم على قصة بدأت في ذلك الصباح. كان ذلك اليوم انفجارًا في مشهد ظل يتراكم لسنوات؛ مشهد تشكل من حصار طويل على غزة، واقتحامات متكررة للمسجد الأقصى، وتوسع استيطاني، واعتقالات، وتهجير، وقيود على الحركة، وانسداد سياسي جعل القضية الفلسطينية تُرحّل من عام إلى آخر من دون حل.
كان الفلسطيني قبل ذلك اليوم يعيش واقعًا ثقيلًا، لكن كثيرًا من تفاصيل هذا الواقع لم تكن تجد طريقها إلى واجهة الاهتمام الدولي إلا عندما تندلع الحرب.
ثم جاء السابع من أكتوبر، فانقلبت المعادلة.
خرجت المواجهة من حدودها المعتادة، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة. بدأت حرب واسعة على قطاع غزة، سرعان ما تحولت معها الحياة اليومية إلى رحلة متواصلة بين النزوح والبحث عن الماء والغذاء والدواء والمأوى. أحياء كاملة تغيرت ملامحها، ومنازل تحولت إلى أنقاض، وعائلات فقدت أفرادًا منها، بينما تعرضت قطاعات واسعة من البنية التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية والخدمية لأضرار هائلة.
وبحسب الأرقام المعلنة من وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بدء الحرب عشرات الآلاف، فيما تجاوز عدد المصابين أضعاف ذلك، وسط صعوبة توثيق جميع الضحايا في ظل استمرار العمليات العسكرية وانهيار قطاعات واسعة من منظومة الخدمات الصحية. وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر 2025، استمرت الخسائر البشرية في غزة، إذ سجلت الجهات الصحية الفلسطينية أكثر من 1400 وفاة خلال الفترة التالية للاتفاق حتى نهاية سبتمبر 2026.
لكن الحرب لم تكن وحدها عنوان المرحلة.
فمع ارتفاع أعداد الضحايا واتساع حجم الدمار، بدأ مسار آخر خلف الأبواب المغلقة: مسار المفاوضات.
هنا برزت مصر وقطر والولايات المتحدة بوصفها الأطراف الرئيسية في جهود الوساطة، إلى جانب أدوار دولية وإقليمية مختلفة. القاهرة، بحكم الجغرافيا والتاريخ والحدود مع غزة، ظلت طرفًا حاضرًا في محاولات التوصل إلى وقف إطلاق النار وترتيبات تبادل الأسرى والمحتجزين وإدخال المساعدات، بينما لعبت الدوحة دورًا محوريًا في استضافة جولات التفاوض ونقل الرسائل بين الأطراف، وانخرطت واشنطن في الدفع باتجاه صيغ للهدنة وتبادل الأسرى.
ومع مرور أشهر الحرب، لم يعد ملف الأسرى مجرد جزء من المعركة، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لأي محاولة لوقف إطلاق النار.
وفي يناير 2025، وبعد أشهر طويلة من المفاوضات، جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، دخل حيز التنفيذ في 19 يناير، وتضمن مراحل للإفراج عن محتجزين إسرائيليين مقابل أسرى فلسطينيين، إلى جانب زيادة المساعدات وعودة النازحين وانسحاب القوات من مناطق مأهولة وفق بنود الاتفاق.
لكن الهدنة لم تكن نهاية الطريق.
فمع انتهاء المرحلة الأولى، عادت الخلافات حول المرحلة التالية؛ هل تكون هناك نهاية دائمة للحرب؟ هل تنسحب القوات الإسرائيلية من غزة؟ كيف تتم عملية تبادل بقية الأسرى؟ ومن سيتولى إدارة القطاع؟ وكيف يبدأ الإعمار؟ أسئلة بقيت معلقة، وعادت معها العمليات العسكرية، لتدخل غزة مجددًا في دائرة القصف والدمار والنزوح.
وفي الوقت ذاته، لم يتوقف التحرك المصري والقطري والأمريكي. جولات متتالية من المفاوضات عُقدت في القاهرة والدوحة، ومحاولات لصياغة اتفاقات جديدة، وسط ضغوط دولية متزايدة لإنهاء الحرب وإدخال المساعدات والإفراج عن الأسرى والمحتجزين.
ثم جاء اتفاق آخر في أكتوبر 2025، فتح الباب أمام مرحلة جديدة من وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، بدعم من جهود الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، قبل أن تتعقد لاحقًا ملفات الانسحاب والترتيبات الأمنية وإدارة قطاع غزة وإعادة الإعمار.
وهكذا، تحولت صفقة الأسرى من ملف إنساني وسياسي إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في مسار الحرب، لأنها ارتبطت بكل الملفات الأخرى: وقف إطلاق النار، الانسحاب، المساعدات، مستقبل غزة، وإعادة الإعمار.
لكن وسط كل هذه المفاوضات والأرقام والاتفاقات، بقي الفلسطيني في غزة يعيش الوجه الآخر للحرب.
نازح يبحث عن خيمة، وأب يبحث عن أطفاله، وأم تحاول توفير الماء، ومريض ينتظر العلاج، وطالب فقد مدرسته، وصحفي يعمل وسط الركام، وعائلة لا تعرف إن كان بيتها سيبقى قائمًا عندما تنتهي الحرب.
وفي الضفة الغربية، لم تتوقف المعاناة. استمرت الاقتحامات والاعتقالات وقيود الحركة وعنف المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير، بينما ظل المسجد الأقصى في قلب المشهد، لتبقى القضية الفلسطينية أوسع من حدود قطاع غزة وحده.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يصعب الهروب منه بعد ثلاث سنوات هو:
هل بدأ كل شيء في السابع من أكتوبر؟ أم أن السابع من أكتوبر كان نتيجة لمسار طويل وصل إلى لحظة الانفجار؟
السؤال لا يبحث عن تبرير لما حدث، ولا عن إدانة طرف فلسطيني بعينه، ولا عن تبني رواية طرف على حساب آخر. إنه محاولة لقراءة المشهد كما تراكم على الأرض.
كيف وصلت القضية الفلسطينية إلى هذه اللحظة؟
ماذا فعل الحصار الطويل بغزة؟
ماذا صنعت سنوات الاقتحامات والاستيطان والاعتقالات والتهجير؟
لماذا بقيت القدس والمسجد الأقصى في قلب التوتر؟
ولماذا فشلت المسارات السياسية المتعاقبة في إنتاج حل يضع حدًا للاحتلال؟
هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن السابع من أكتوبر، كما لا يمكن فصل السابع من أكتوبر عما جاء بعده.
فالقضية الفلسطينية لم تبدأ في ذلك اليوم، والحرب لم تبدأ من فراغ، لكنها أيضًا لم تتوقف عنده. ما حدث بعده أعاد رسم المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، ووضع غزة أمام واحدة من أكبر أزمات الدمار والنزوح في تاريخها الحديث.
اليوم، وبعد ثلاث سنوات، تبدو غزة أمام مهمة هائلة: إعادة بناء البيوت، وإصلاح المستشفيات والمدارس وشبكات المياه، معالجة آثار الحرب، وإعادة الحياة إلى مجتمع فقد كثيرًا من أبنائه ومصادر رزقه ومقوماته الأساسية.
وفي المقابل، تبقى الأسئلة السياسية أكثر صعوبة من أي وقت مضى: من يحكم غزة؟ كيف تتم إعادة الإعمار؟ ما مستقبل السلاح؟ ما شكل العلاقة بين غزة والضفة؟ ماذا سيحدث في القدس؟ وماذا عن الاستيطان والأسرى واللاجئين؟ وهل تعود القضية مرة أخرى إلى مسار سياسي يعالج جذور الصراع بدل إدارة أزماته؟
لقد تدخل الوسطاء، وعُقدت الاجتماعات، وخرجت الاتفاقات، وتمت عمليات تبادل للأسرى والمحتجزين، ودخلت مساعدات إلى القطاع، وتوقفت الحرب في مراحل مختلفة، لكنها جميعًا بقيت خطوات مرتبطة بسؤال أكبر لم يجد إجابة نهائية بعد.
كيف تنتهي هذه الدائرة؟
فالفلسطيني لا يريد أن ينتقل من حرب إلى هدنة، ومن هدنة إلى حرب، ثم يعود إلى المربع الأول.
يريد أن يعرف إلى أين تسير قضيته، وماذا سيكون مصير أرضه، وكيف سيعيش أطفاله، وهل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه غزة مدينة للحياة لا عنوانًا للحرب، وتصبح القدس مدينة للسلام بدل أن تكون في كل مرة شرارة جديدة للتوتر.
ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر، لم تعد المسألة مجرد استعادة لما حدث في ذلك اليوم، بل أصبحت محاولة لفهم ثلاثة مشاهد متصلة: ما قبل السابع من أكتوبر، وما حدث خلال الحرب، وما الذي ينتظر الفلسطينيين بعدها.
ومن الأقصى إلى غزة، ومن الضفة إلى مخيمات اللجوء، ومن الأسير إلى النازح، ومن البيت الذي هُدم إلى المدرسة التي أغلقت أبوابها، تتكرر الحكاية نفسها: شعب يبحث عن نهاية لحالة مؤقتة تحولت إلى واقع طويل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟
بل السؤال الأعمق:
ماذا حدث قبل السابع من أكتوبر حتى وصلنا إليه، وماذا حدث بعده حتى أصبحت العودة إلى ما قبل الحرب أمرًا مستحيلًا؟ وإلى أين يجب أن تتجه القضية الفلسطينية بعد كل هذا الثمن؟
ربما هنا تبدأ القراءة الأكثر مسؤولية للسابع من أكتوبر؛ قراءة لا تختزل القضية في يوم واحد، ولا تختزل الفلسطيني في فصيل، ولا تتجاهل الحصار والاحتلال والاستيطان والقدس، ولا تتجاهل في الوقت نفسه حجم المأساة التي صنعتها الحرب.
فالتاريخ لا يُقرأ من لحظة واحدة، والقضايا الكبرى لا تنتهي باتفاق مؤقت.
والسابع من أكتوبر، مهما اختلفت القراءات حوله، سيبقى نقطة فاصلة بين زمنين في تاريخ القضية الفلسطينية؛ زمن ما قبل الانفجار، وزمن ما بعده. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون ما بعد هذه السنوات بداية لمسار جديد، أم مجرد محطة أخرى في دائرة لا تنتهي؟
