بقلم: يونس صلاح
في قطاع غزة، لا يبدو الشتاء القادم فصلًا عابرًا من فصول السنة، بل محطة جديدة من المعاناة التي تثقل كاهل شعب أنهكته الحرب، وأتعبته الخسائر، وضاقت به سبل الحياة. فبين القصف المتواصل، وسقوط الشهداء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تقف آلاف العائلات أمام واقع مأساوي، تحاول فيه تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، بينما تلوح في الأفق أيام باردة تحمل مخاوف جديدة للنازحين الذين لا يجد كثير منهم سقفًا يحميهم من المطر، ولا جدرانًا تصد عنهم الرياح.
في غزة، لا تزال أصوات القصف تذكّر السكان بأن مشاهد الموت والخوف لم تغادر حياتهم، وأن الحديث عن التهدئة لا يكفي وحده لإنهاء معاناة الناس ما دامت الأرواح مهددة، والمنازل مدمرة، والعائلات تعيش في ظروف قاسية. ومع كل شهيد يرتقي، تُضاف حكاية جديدة إلى سجل الفقد الفلسطيني، وتُترك عائلة أمام ألم لا تعوّضه الكلمات، وذكريات لا تستطيع الأيام محوها بسهولة.
لكن المأساة لا تتوقف عند القصف وسقوط الشهداء؛ فهناك معركة أخرى يخوضها الغزيون كل يوم، عنوانها البقاء. فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية، وشح فرص العمل ومصادر الدخل، جعلت توفير الطعام والدواء والملابس عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر. وأصبحت العائلات أمام خيارات مؤلمة، تحاول من خلالها توزيع ما يتوافر لديها من إمكانات محدودة على احتياجات لا تنتهي.
وفي الأسواق، تبدو القدرة الشرائية لدى كثير من المواطنين عاجزة عن مواكبة المتطلبات اليومية، بينما يعيش النازحون ظروفًا أشد قسوة، إذ لا يملكون في كثير من الأحيان دخلًا ثابتًا أو مدخرات تساعدهم على مواجهة الأزمات. ومع استمرار هذا الواقع، يتحول تأمين الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية، لا تقل صعوبة عن رحلة البحث عن مأوى آمن.
الخيام.. مأساة تتجدد مع أولى قطرات المطر
مع اقتراب فصل الشتاء، تتجه الأنظار إلى خيام النازحين التي أصبحت مأوى اضطراريًا لعائلات فقدت منازلها، واضطرت إلى ترك أحيائها ومناطقها بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. غير أن الخيمة، مهما حاول أصحابها ترميمها أو تثبيت أطرافها، لا توفر الحماية التي يحتاج إليها الإنسان في مواجهة الأمطار الغزيرة والرياح الباردة.
فالخيام المهترئة، والأرضيات التي قد تتحول إلى مساحات من الوحل والمياه، ونقص الأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة الآمنة، كلها تحديات تضع العائلات أمام شتاء بالغ الصعوبة. وتزداد المخاوف على الأطفال وكبار السن والمرضى، الذين يحتاجون إلى ظروف معيشية ملائمة، لا إلى مأوى مؤقت بالكاد يحميهم من تقلبات الطقس.
وليس المطلوب أن تنتظر العائلات حتى تغمر المياه خيامها، أو حتى تستيقظ على أغطية مبللة وأطفال يرتجفون من البرد، لكي تتحرك جهود الإغاثة. فالاستعداد للشتاء يجب أن يبدأ قبل اشتداد المنخفضات الجوية، من خلال توفير خيام متينة، ومواد عزل مناسبة، وأغطية وملابس شتوية، ومستلزمات النظافة، ومياه نظيفة، وخدمات صحية قادرة على التعامل مع الاحتياجات المتزايدة.
إن الخيمة التي لا تصمد أمام المطر ليست مجرد مشكلة سكن، بل انعكاس لواقع إنساني يحتاج إلى تدخل عاجل، حتى لا يتحول الشتاء إلى فصل إضافي من الخوف والمعاناة لعائلات أنهكتها شهور الحرب والنزوح.
شتاء غزة.. اختبار للضمير الإنساني
إن ما يواجهه قطاع غزة اليوم يتطلب تحركًا يتجاوز التصريحات والتعاطف المؤقت، باتجاه إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين، ووقف القصف، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وتوفير الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء والشتاء. كما تبرز الحاجة إلى دعم اقتصادي وإغاثي يساعد العائلات على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، ويمنحها فرصة لمواجهة متطلبات الحياة بكرامة.
ولا يمكن النظر إلى مأساة غزة باعتبارها أرقامًا تُحصى أو صورًا تُنشر ثم تُنسى؛ فخلف كل خيمة عائلة لها حكايتها، وخلف كل طفل يرتجف من البرد أحلام كان ينبغي أن يعيشها بعيدًا عن الخوف، وخلف كل أب وأم يقفان عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية ألم لا يعرفه إلا من عاش تفاصيل النزوح والفقد والحاجة.
ومع اقتراب الشتاء، يصبح الوقت عاملًا حاسمًا. فالتأخر في توفير مستلزمات الإيواء قد يضاعف معاناة النازحين، وترك العائلات تواجه الأمطار وحدها يعني تحميلها أعباء جديدة فوق ما تحملته بالفعل.
غزة لا تحتاج إلى موسم جديد من الوعود، بل إلى حماية حقيقية للإنسان، وإغاثة تصل إلى مستحقيها، ومأوى يصمد أمام الشتاء، وفرصة لحياة لا يطاردها القصف ولا يهددها الجوع ولا يحاصرها البرد.
ففي غزة، لا يخشى الناس الشتاء بسبب انخفاض درجات الحرارة وحده؛ بل يخشون أن يأتي المطر، فيما لا تزال خيامهم عاجزة عن حمايتهم، وأن يطول الليل على أطفال لا يملكون سوى أغطية قليلة وأمل كبير بأن يحمل الغد أيامًا أكثر أمانًا ورحمة.

