يونس صلاح _ برق غزة
تواصل غزة مواجهة واقع دموي بالغ القسوة، في ظل استمرار الغارات الجوية والاستهدافات الإسرائيلية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، لتبقى أرواح الفلسطينيين مهددة في مختلف مناطق القطاع، وسط أزمات إنسانية واقتصادية وأمنية تتفاقم يومًا بعد آخر.
وكان آخر فصول هذا المشهد استهداف طائرات الاحتلال الإسرائيلي عددًا من ضباط وعناصر الشرطة الفلسطينية في منطقة المواصي بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، ما أسفر عن استشهاد خمسة منهم وإصابة آخرين، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية والأمن الوطني.
ويفتح هذا الاستهداف فصلًا جديدًا من التساؤلات حول مستقبل الأوضاع الأمنية في غزة، في ظل استمرار الاعتداءات التي لم تستثنِ المؤسسات والكوادر العاملة على تنظيم الحياة اليومية للسكان.
استهداف الشرطة.. خسارة تتجاوز عدد الشهداء
أعلنت وزارة الداخلية استشهاد خمسة من ضباط وعناصر الشرطة، مشيرة إلى أن حصيلة شهداء جهاز الشرطة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بلغت 75 شهيدًا.
ولا تقتصر تداعيات هذه الاستهدافات على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى قدرة المؤسسات الأمنية على مواصلة مهامها في مجتمع يعيش ظروفًا استثنائية، حيث تتزايد الحاجة إلى تنظيم الأسواق، وضبط الأمن، وحماية الممتلكات، ومتابعة شؤون المواطنين.
إن استهداف عناصر الشرطة يضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الاستقرار الداخلي، ويزيد المخاوف من اتساع حالة الفراغ الأمني في قطاع يعاني أصلًا من تداعيات الحرب والدمار.
وقف إطلاق النار.. نزيف مستمر
رغم مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال غزة تشهد سقوط شهداء وجرحى نتيجة الغارات وإطلاق النار والاستهدافات المتكررة.
فالاتفاق الذي انتظره الفلسطينيون باعتباره مدخلًا لإنهاء المعاناة، لم ينجح حتى الآن في توفير الأمان الكامل للسكان، فيما تستمر الخروقات الميدانية وتتعرض مناطق مختلفة للقصف.
وهذا الواقع يعكس حجم الفجوة بين الوعود السياسية والواقع الميداني، ويضع مستقبل الاتفاق أمام تحديات كبيرة، خصوصًا مع استمرار سقوط الشهداء وعدم وضوح آليات ضمان الالتزام به.
فراغ أمني يهدد الحياة اليومية
تحتاج غزة في هذه المرحلة إلى مؤسسات قادرة على إدارة شؤون المواطنين، خصوصًا في ظل الدمار الواسع وتراجع الخدمات الأساسية.
فالشرطة تؤدي أدوارًا تتعلق بحماية الممتلكات وتنظيم الحركة ومتابعة الحوادث، واستمرار استهداف عناصرها يضيف تحديًا جديدًا أمام المجتمع الفلسطيني.
كما أن غياب الاستقرار الأمني قد ينعكس على الأسواق وحركة المواطنين والعمل الإنساني، ويزيد الأعباء المعيشية على عائلات تعاني أصلًا من الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
أزمة إنسانية تتسع مع استمرار الحرب
بالتوازي مع المشهد الأمني، يعيش سكان القطاع أوضاعًا إنسانية شديدة الصعوبة، في ظل تضرر المنازل والبنية التحتية، ونقص المياه والمواد الغذائية، وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
وتواجه آلاف العائلات النازحة ظروفًا قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء، مع تراجع فرص الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، واستمرار الأزمة الاقتصادية التي أنهكت مختلف شرائح المجتمع.
وبين القصف والنزوح وشح الموارد، يجد المواطن الغزي نفسه أمام معركة يومية لتأمين أبسط مقومات الحياة.
المجتمع الدولي أمام اختبار المسؤولية
إن استمرار استهداف المؤسسات والعاملين في المجال المدني يفرض ضرورة التحرك الدولي لضمان حماية السكان، ومتابعة الانتهاكات، وتوفير ضمانات حقيقية تمنع تكرار الاعتداءات.
كما أن المطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يتطلب خطوات عملية لضمان استمرار وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، والبدء الفعلي بإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
غزة.. إلى متى يستمر شلال الدم؟
تقف غزة أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الوقائع الميدانية، فيما يدفع المواطن الفلسطيني الثمن الأكبر من حياته وأمنه ومستقبله.
إن استهداف عناصر الشرطة، واستمرار سقوط الشهداء، وتفاقم الأزمات الإنسانية، كلها مؤشرات على أن القطاع لا يزال بعيدًا عن الاستقرار الذي ينتظره سكانه.
فكيف يمكن الحديث عن إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية، بينما تستمر الاستهدافات وتتراجع قدرة المؤسسات على أداء مهامها؟
غزة لا تحتاج إلى اتفاقات معلنة فقط، بل إلى وقف حقيقي لنزيف الدم، وحماية لأرواح سكانها، وضمانات تنهي حالة الخوف المستمرة. فخلف كل شهيد عائلة تنتظر عودته، وخلف كل استهداف جرح جديد يضاف إلى جسد قطاع أنهكته الحرب، وما زال ينتظر يومًا يعيش فيه أبناؤه بأمان.
