برق غزة / لينا سكيك
في ليلةٍ شتويةٍ باردة من ديسمبر، والمطر يهطل بغزارة بلا توقف، كان منير أبو جراد يحدّق طويلًا في سقف منزله المتهالك، جدران متشققة يغزوها العفن والرطوبة، أعمدة هشّة توشك على الانهيار، وحشرات تتسابق للدخول من بين الشقوق.
يتوقف منير فجأة، ينصت، ثم يقول وكأنه يستعيد المشهد من جديد:
«سمعتُ صوتًا مألوفًا… قطرات المطر ، كانت تتسلل إلى داخل البيت. للحظة نسيتُ أننا نعيش بين جدران مثقوبة، تسمح للماء بالدخول ، لم يكن أمامنا سوى انتظار الصباح لنمسح الأرض».
حين يتحوّل المأوى إلى كابوس يومي
يعيش منير مع أسرته تحت سقفٍ مهدد بالسقوط في أي لحظة، بعد أن دُمّر منزلهم بالكامل في شمال غزة، وأجبرهم القصف على النزوح من منطقتهم ، لم يجدوا ملجأً سوى هذا البيت القديم، الذي تحوّل من مأوى مؤقت إلى مصدر دائم للخوف.
وعيناه تغمرهما الدموع، يقول منير:
«أكثر ما يخيف أطفالي هو رؤية الحشرات وهي تزحف داخل المنزل، ولا نستطيع فعل أي شيء».
بين انهيار محتمل ومرض لا يرحم

كل ليلة، تنام عائلة أبو جراد على وقع الترقب ،الخوف لا يفارقهم من أن ينهار السقف فوق رؤوسهم، وأن يتحول هذا البيت إلى مقبرة جماعية ،لكن المعاناة لا تتوقف عند حدود السكن غير الآمن، فالأزمة تتفاقم أكثر مع إصابة ابنه وابنته بمرض الثلاسيميا، وهو مرض دموي وراثي يجعل حياتهما مرهونة بنقل وحدات دم منتظمة، قد تعني غيابها الفرق بين الحياة والموت.
بصوتٍ مرتجف مثقل بالعجز، يضيف الاب :
«أبنائي بحاجة إلى اللحوم، البيض، والحليب، لكنني لا أستطيع توفيرها ،أنا والدهم، ومن المفترض أن أعيل أسرتي، لكنني فقدت كل شيء في الحرب».
لم يعد النوم يعرف طريقه إلى منير ، بين خوفٍ دائم من انهيار المنزل، وقلقٍ لا ينتهي حول كيفية توفير الغذاء والدواء لأطفاله المرضى، تتراكم الأيام الثقيلة عليه.
معركة البقاء خلف الأبواب المغلقة
ومع كل صباح، تبدأ العائلة معركة جديدة من المعاناة: رحلة شاقة في التنقل بين المستشفيات لنقل وحدات الدم، البحث عن طعام وماء، ومحاولة تنظيف المنزل من مياه المطر التي غمرته ليلًا.
عائلة أبو جراد واحدة من آلاف العائلات في غزة التي تعيش داخل منازل آيلة للسقوط. هم يدركون تمامًا خطورة هذه البيوت، لكنهم يلجؤون إليها كحلٍ مؤقت، لأنهم ببساطة لا يملكون بديلًا ، فخلف جدران هذه البيوت المتصدعة، تختبئ حكايات موجعة لا يراها أحد.

