لينا سكيك/ برق غزة
مع أول خيوط الصباح، تجلس أم أحمد أمام خيمتها المصنوعة من قماشٍ أنهكه الزمن ، تُشعل نار الحطب، وتنفخ فيها بهدوء، كأنها تحاول أن تُبقي ما تبقى من دفء الحياة مشتعلاً، على مقعدٍ خشبي صغير، تراقب أطفالها الأربعة بعيونٍ أنهكها التعب تحيطها هالات بنية ثقيلة، بينما تركت الشمس آثارها القاسية على بشرتها المتعبة ، فيما يتسلل الدخان إلى وجهها، ويترك أثره على يديها وبشرتها.
لم تعد ترتدي سوى لباس الصلاة ، لم تختره، بل فرضته ظروف النزوح، ليصبح ردائها اليومي، ورفيق أيامها المتشابهة ، تنظر إلى يديها الملطختين بالسواد، ثم تهمس بصوتٍ مرتجف مثقل بالعجز، فيما تغمر الدموع عينيها: “من حقي أن أكون أنثى… لكن الحرب سرقت ملامحي.
”قبل النزوح، كانت أم أحمد امرأة تهتم بتفاصيلها الصغيرة ، مرآة في زاوية الغرفة، كحل في درجٍ خشبي، ووقتٌ قصير تهبه لنفسها. اليوم، كل ذلك بقي هناك… تحت أنقاض بيتها في شمال غزة، الذي غادرته قسرًا، حاملة أطفالها فقط، تاركة خلفها ملامحها، وذاكرتها، وإحساسها بذاتها.
داخل الخيمة، لا مساحة للخصوصية، ولا ماء يكفي لغسل التعب عن الوجه، ولا لحظة صمت تسمح لها بأن تكون امرأة قبل أن تكون أمًا مرهقة. تشير إلى ثقوب القماش من حولها، وتقول:“نرتدي الملابس على عجل، العناية بالنفس أصبحت حلمًا بعيدًا.
وجهي تغيّر، بشرتي تغيّرت… أشتاق لكحلٍ يذكرني بنفسي ، أحيانًا أشعر أنني غير موجودة.
”تحاول أم أحمد أن تُمسك بما تبقى من ذاتها، لكنها تعترف بأنها لم تعد قادرة، فالنزوح ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل حياة كاملة من الأعباء الثقيلة ، تستيقظ كل صباح لتواجه يومًا جديدًا من الصمود؛ تُحضّر الطعام على نار الحطب، تنظف خيمتها التي غزتها الحشرات، وتبقى لساعاتٍ طويلة قرب النار، التي لم تعد مجرد وسيلة للطهي، بل رمزًا لمعاناة لا تنتهي.حديث أم أحمد لا يتوقف عند المظهر، بل يتجاوز ذلك إلى إحساسٍ أعمق، إحساس امرأة تآكلت هويتها مع طول النزوح، وشعور دائم بأن النجاة من الموت جاءت على حساب الكرامة.
تشبه أم أحمد كثيرات غيرها من نساء غزة؛ نجون من القصف، لكنهن ما زلن يخضن معركة يومية لاستعادة أبسط حقوقهن الإنسانية…أن يشعرن بأنهن ما زلن نساء، وما زلن بشرًا.

