خاص برق غزة / لينا سكيك
أمام أمواج البحر الهائجة، وتحت سماء مثقلة بالغيوم والعواصف، يجلس معتصم رجب (41 عامًا) متكئًا على حجر صغير بالكاد يقيه رطوبة الأرض ، يضع يده اليمنى على وجهه، وكأنها تحاول أن تخفي عجزًا أثقل من أن يُرى، فيما تتجه عيناه نحو خيمته المهترئة التي أسقطتها الرياح العاتية قبل ساعات ، لا يفعل شيئًا سوى الانتظار ، انتظار أن يهدأ المنخفض الجوي، ليبدأ من جديد بمحاولة إعادة بناء مأوى لا يصمد طويلًا.

داخل الخيمة، ترقد زوجته محاولة أن تضم أطفالها إلى صدرها، علّ دفء الأجساد يعوض غياب الجدران ، بطانيات رطبة، وأرض موحلة، وريح تتسلل من كل الجهات ، هناك، يقبع طفله الرضيع، أضعف أفراد العائلة، في مواجهة برد لا يرحم.

بصوت مرتجف، يحاول معتصم أن يبدو متماسكًا، لكن دموعه تسبقه:
“طفلي الرضيع داخل هذه الخيمة… أكثر ما أخشاه أن يصيبه مكروه من شدة البرد، لا نملك مكانًا آخر نلجأ إليه، ولا جدارًا يحمينا من هذا الشتاء القاسي.”
لم يختر معتصم البحر ملاذًا، بل دفعته إليه قسوة الواقع ، بعد أن استُهدف منزله في جباليا، وجد نفسه مجبرًا على النزوح نحو ميناء غزة، حيث لا شيء سوى خيام متلاصقة، وأجساد تحاول النجاة، ترك خلفه منزله وذكرياته، وصورًا ما زالت محفورة في ذاكرته، ليبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة، عنوانه العراء.
الشتاء هنا لا يعني المطر فقط، بل اختبارًا يوميًا للبقاء، مع كل هطول للأمطار، تتسرب المياه إلى داخل الخيمة، فتوقظ العائلة من نومها، وتحوّل الليل إلى ساعات طويلة من القلق والخوف ، يحاول معتصم رفع أطراف الخيمة، أو حفر مجرى صغير للمياه، لكن المحاولات غالبًا ما تفشل أمام قوة العاصفة.
أما في الصيف، فلا تقل المعاناة قسوة ، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة، تحبس الحرارة في داخلها، وتضاعف معاناة الأطفال، في مشهد يعكس قسوة الحياة داخل هذه الملاجئ المؤقتة التي طال أمدها.
يقول معتصم وهو ينظر إلى البحر: “كنا نعتقد أن النزوح مؤقت أيام وتنتهي، لكن الأيام صارت شهورًا، والبرد صار أقسى، والأطفال لم يعودوا يسألون متى نرجع، بل كيف سنقضي الليلة.”
قصة عائلة رجب ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي كشفها الشتاء القاسي ، عائلات بأكملها تعيش داخل خيام مهترئة، بلا حماية حقيقية من البرد أو المطر، في ظل نقص حاد في المساعدات وغياب البدائل الآمنة.
هنا، عند شاطئ البحر، لا يسمع معتصم سوى صوت الأمواج المتلاطمة، لكنها لا تطغى على صراخ داخلي أكبر، صراخ أبٍ يخشى أن يعجز عن حماية أطفاله، في مكان لم يُفترض






