لينا سكيك / وكالة برق غزة
كانت هدى أبو عابد، المسنّة الفلسطينية العائدة من رحلة علاجٍ طويلة في مصر، تمسك يد ابنتها وكأنها تمسك آخر ما تبقّى لها من طمأنينة. قلبها المتعب من المرض لم يكن يطلب أكثر من لحظة عادية: أن تعود إلى غزة، أن ترى أبناءها وأحفادها، وأن تمشي – ولو بعينين متعبتين – في مدينتها من جديد.عندما سَمعت بفتح معبر رفح البري، سارعت لتسجيل اسمها. لم تكن تتوقع أن يظهر اسمها بهذه السرعة، وحين ظهر، غمرتها فرحة تشبه النجاة.“خلص… راجعة!” قالتها لنفسها قبل أن تقولها لأي أحد.طُلب منها التواجد على المعبر الساعة الثالثة فجرًا. لم تنم تلك الليلة، لا هي ولا ابنتها. ظلّتا مستيقظتين، تخافان أن يضيع الموعد كما ضاعت مواعيد كثيرة قبلها. مع الفجر، صعدتا الحافلة، حيث بدا كل شيء لأول مرة منذ زمن إنسانيًا: تعامل محترم، حضور رسمي، وأيدٍ تمتدّ لمساعدة كبار السن.كان متطوعو الهلال الأحمر المصري يضعون هدى على عربة مخصصة للمسنين، يدفعونها برفق، ويبتسمون وكأنهم يشاركونها حلم العودة.وصلوا إلى المعبر ما بين الثامنة والتاسعة صباحًا. مرّت الساعات بطيئة. جلست هدى تنتظر، وقلبها يعدّ الوقت لا الدقائق. خمسون اسمًا في الكشف، لكن مع اقتراب المساء، لم يُسمح إلا لاثنين وأربعين بالمغادرة.وقبل أذان المغرب، كانت هدى عالقة في المسافة الرمادية… لا هي في مصر، ولا وصلت غزة بعد!عند أذان المغرب، دخل تسعة أشخاص قبلها. بقيت هي وابنتها وامرأة مسنّة أخرى ينتظرن. فجأة، وبدون إنذار، أُغلقت بوابة المعبر!ترى هدى مدير المعبر، إياد نصر، يبكي. تقول: “استغربت… متى رأينا رجالنا يبكون أمامنا؟”سألته عن السبب، فأخبرها أنه بكى لطفل صودرت لعبته أثناء التفتيش. كان الطفل يبكي ويقول:“بدي لعبتي… ألعب فيها بخيمتي!”لم يستطع أحد أن يعيد له لعبته، فبكى الرجل بدلًا عنه.قيل لهنّ إن عليهن العودة إلى العريش. أجرى مدير المعبر عدة اتصالات، وبعد لحظات فقط، جاء القرار:“تفضلوا… ادخلوا!”وهكذا دخلت هدى إلى غزة، لا كعائدةٍ فقط، بل كمن حصل على إذنٍ مؤقت بالحياة.داخل صالات التفتيش، رأت هدى القسوة بوجهها الصريح: أوامر صارمة من الاتحاد الأوروبي، ما يُسمح به وما يُصادَر. ألعاب الأطفال تُنتزع، السوائل ممنوعة، حتى قطرات العين! الطعام لا يُسمح له بالعبور، والمال محدود. حقيبة كاملة تقلّصت إلى نصفها، والهواتف التي اشترتها لأبنائها، لأن ثمنها داخل غزة لا يُحتمل، صودرت جميعها.تقول هدى: “كنت أشوف بعينهم إنهم بدهم يعطونا أكثر… بس إيديهم مربوطة!”بعد التفتيش، صدرت أوامر بإخلاء المكان فورًا، لكن إياد نصر بقي معها حتى ركبها الحافلة بيده. قال لها بصوتٍ مكسور:“مش بإيدي إشي يا حجة…”ركبت الحافلة، وهناك بدأ الخوف الحقيقي. جنود الاحتلال يملؤون المكان. سألت السائق: “وين رايحين؟”أجابها: “على عالمٍ مجهول…”أُنزِلوا في منطقة تسيطر عليها ميلشيات. ناداها شخص عربي باسمها، ثم سمعت صوتًا آخر يأمر:“هاتوا العجوز!”أُمسكت من يدها، سُلّمت للاحتلال، وعُصبت عيناها، قُيدت يداها، وبدأ التحقيق:“ليش جيتي على غزة؟”قالت: “ابنتي بدها تشوف زوجها وأولادها!”قال لها الجندي:“قولي للّي عندهم يجهزوا حالهم ويطلعوا من غزة!”صرخت هدى، من عمق قلبها المتعب:“لا للتهجير… لا تتركوا غزة! هذه أرض رباط!”أما عن شهادة ابنتها، روتانا الرقب، فقد قالت إنه أثناء التحقيق معها، قال لها جيش الاحتلال:“بدنا انجيب ولادك ونهجركم برا!”وأعطاها مهلة لتفكر في هذا الموضوع، لكن رفضت روتانا الفكرة لأنها لا تريد اقتلاع جذورها من أرضها التي ولدت بها. ورد عليها الاحتلال بأنه سيتم احتلال غزة وتهجير سكانها حتى بعد 30 سنة!ظلّت هذه الجملة راسخة في رأس روتانا، حتى عندما نزلت إلى الحافلة صرخت قائلة:“لا للتهجير… لا تهاجرو! أوعكم تهاجروا!”
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

