برق غزة_محلي
لم يكن مسلسل “صحاب الأرض” مجرد عمل درامي عابر في موسم رمضان، بل تحوّل فجأة إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي، بعدما فجّر حالة غضب واضحة في الأوساط الإسرائيلية، تصدّرها المعلّق الإسرائيلي إيدي كوهين، الذي خرج مهاجمًا العمل ومصر على خلفية ما يقدّمه المسلسل من سردية مغايرة للرواية الإسرائيلية حول الحرب في غزة.
منذ اللحظة الأولى لبدء الترويج للمسلسل، بدا واضحًا أن العمل يقترب من منطقة حساسة: الحرب على غزة، المعاناة الإنسانية، والدور المصري في إدخال المساعدات والتحرك الطبي والإنساني. لكن ما لم يكن متوقعًا – أو ربما كان متوقعًا بشدة – هو حجم الانفعال الإسرائيلي تجاه عمل درامي يُعرض خارج حدودهم.
وسائل إعلام إسرائيلية، بينها هيئة البث الإسرائيلية والقناة 12 الإسرائيلية تناولت المسلسل بلهجة انتقادية واضحة، معتبرة أن الدراما المصرية “تروّج لسردية منحازة” وتُظهر إسرائيل في صورة المعتدي، مقابل إبراز الجانب الإنساني الفلسطيني والدعم المصري.
هذا التناول الإعلامي لم يكن عابرًا أو مقتضبًا، بل حمل نبرة تحذيرية تكشف أن المسألة بالنسبة لتل أبيب ليست مجرد مسلسل، بل “معركة رواية”.
فحين تتحول الدراما إلى أداة توثيق شعبية، وتُعرض في موسم يشهد أعلى نسب مشاهدة في العالم العربي، تصبح الصورة أخطر من الرصاصة، ويصبح المشهد الدرامي منافسًا للبيان العسكري.
في هذا السياق، جاء ظهور إيدي كوهين غاضبًا وحادًا، مهاجمًا المسلسل ومصر، ومعتبرًا أن العمل يهدف إلى “تشويه صورة إسرائيل”.
لم يكن خطابه هادئًا أو تحليليًا، بل أقرب إلى رد فعل منزعج من تأثير محتمل يتجاوز حدود الشاشة.كوهين، المعروف بتصريحاته الاستفزازية تجاه الدول العربية، بدا في حديثه وكأنه يخوض مواجهة مع نص درامي، لا مع جيش أو حكومة.
وهذا في حد ذاته يكشف حجم القلق: إذا كان عمل فني يثير هذا القدر من الانفعال، فالمسألة تتعلق بالخوف من الرأي العام، لا بالمحتوى الفني وحده.
الغضب الإسرائيلي لا يمكن فصله عن سياق أوسع:إسرائيل تخوض منذ سنوات معركة شرسة على مستوى الصورة الدولية. الحرب على غزة وضعت تل أبيب تحت ضغط حقوقي وإعلامي غير مسبوق، ومع كل مشهد يوثّق المعاناة الإنسانية، تتآكل روايتها الرسمية.“صحاب الأرض” – وفق ما ظهر في حلقاته ومشاهده – لم يقدّم خطابًا مباشرًا، بل اعتمد على الدراما الإنسانية: أم تبكي، طبيب يحاول إنقاذ مصاب، مساعدات تعبر الحدود، وجنود يفرضون واقعًا قاسيًا. هذه اللغة البصرية البسيطة هي الأخطر، لأنها لا تحتاج إلى شعارات، بل تخاطب الوجدان مباشرة.
ومن هنا يمكن فهم سبب الحساسية الإسرائيلية: الدراما لا تناقش فقط، بل تُرسّخ صورة ذهنية طويلة المدى.أحد أبرز أسباب الانزعاج، وفق متابعين، هو إبراز الدور المصري في العمل، سواء عبر مشاهد المساعدات أو التحرك الطبي والإنساني.
فظهور مصر بهذه الصورة الداعمة يعزز مكانتها الإقليمية في الملف الفلسطيني، ويؤكد حضورها في لحظة إنسانية حرجة.بالنسبة لإسرائيل، أي سردية تُظهر دعمًا عربيًا منظمًا لغزة تُعتبر تهديدًا لصورة العزلة المفروضة على القطاع. ولهذا بدا الهجوم موجّهًا ليس فقط للمسلسل، بل لمصر نفسها.
ما يحدث اليوم يكشف تحوّلًا مهمًا: لم تعد المواجهة فقط في الميدان أو في أروقة السياسة، بل على الشاشات أيضًا. المسلسل، كأداة ناعمة، قد يفعل ما لا تفعله البيانات الرسمية. صورة واحدة لطفل تحت الأنقاض قد تختصر عشرات المؤتمرات الصحفية.وهنا يكمن جوهر الغضب الإسرائيلي: الخوف من فقدان السيطرة على السردية.
المفارقة أن الهجوم نفسه ساهم في مضاعفة الاهتمام بالمسلسل. فكل تصريح غاضب، وكل تقرير عبري ينتقد العمل، كان بمثابة دعاية مجانية عززت حضوره في النقاش العام.
في النهاية، قد يختلف الجمهور حول جودة العمل فنيًا، لكن المؤكد أن “صحاب الأرض” نجح في أمر واحد: إثبات أن الدراما قادرة على إرباك دولة، وإشعال نقاش يتجاوز حدود الترفيه.
وحين يصبح مسلسل سببًا في حالة استنفار إعلامي داخل إسرائيل، فذلك يعني أن المعركة لم تعد فقط على الأرض… بل على الوعي أيضًا.

