حوار: علياء الهواري
في مسلسل «صحاب الأرض» لم يكن محمد خروات يؤدي دورًا مكتوبًا على ورق. كان يقف أمام الكاميرا وهو يحمل ذاكرة المخيم، ورائحة الطحين، و45 يومًا عاشها في مخيم جباليا قبل أن يغادر غزة إلى مصر.
ثلاثة مشاهد فقط شارك بها… لكنها كانت كافية لتكشف أن بعض الأدوار لا تحتاج إلى تمثيل، بل إلى قلبٍ ما زال ينزف.


هل كان هناك مشهد شعرت فيه أنك لا تمثّل… بل تستعيد شيئًا شخصيًا أو عائليًا؟ ماذا حدث داخلك في تلك اللحظة؟
مشهد الطحين تحديدًا. كان وجع الأرض حاضر بكل تفاصيله. حسّيت إني عصفور وانهدم عشه… وبينهدم كمان مرة. هذا المشهد ترك لي مساحة كبيرة، وأعتقد الحكم فيه للجمهور لما يشوفه.

هل شعرت بثقل المسؤولية؟ أنك لا تمثل نفسك فقط، بل ذاكرة شعب كامل؟
أكيد. أي شيء أقدمه في الفن هو مسؤولية كبيرة على عاتقي، لأن أهل غزة يشاهدون ما نقدمه، ونحن نحكي عنهم وباسمهم. هذه ليست شخصية عابرة هذه حكاية ناس حقيقيين
هل خفت أن يُساء فهم العمل أو يُستخدم سياسيًا خارج سياقه الإنساني؟
في البداية نعم، كان عندي تخوف. كنت أتساءل: هل المسلسل سيقول أكثر مما قيل وشُوهد على مرأى الملايين؟ لكن في قضيتنا مستحيل أن يفصل الفنان بين مهنيته وإنسانيته. ولو شعرت بنسبة 1% أن هناك تحريفًا أو استغلالًا… ما كنت شاركت في العمل.
هل وجدت صعوبة في الفصل بين مهنيتك كممثل ومشاعرك كإنسان يرى وطنه يُختصر في مشهد نزوح؟
لا يمكن الفصل. هذا واقعنا. وأنا حتى اليوم، ونحن نتحدث، لم تنتهِ الحرب بالنسبة لي. ما زلت متغربًا عن أمي، لا أستطيع أن أشم رائحتها. الناس ما زالت بردانة، ما زالوا بلا بيوت. نحن لم ننتهِ بعد.
بعد انتهاء التصوير هل شعرت أن الفن منحك مساحة للتفريغ؟ أم فتح جراحًا لم تكن تريد لمسها؟
المسلسل فتح جراحًا هي أصلًا لم تُغلق. وأنا أشاهد الحلقات أبكي على كل مشهد. الحرب مستمرة داخلنا.

لو شاهد هذا العمل شاب فلسطيني يعيش النزوح اليوم، ماذا تتمنى أن يشعر؟
أتمنى أن يشعر بالأمل. لأنه لو ما في أمل، لا نستطيع أن نكمل. اليوم شخص ممكن ينهار لو فقد قطته أو كلبه نحن نفقد بيوتنا وأرضنا وأهلنا ونكمل. نصبر لأنه لا يوجد خيار آخر.
هل يؤلمك أن تؤدي دور الضحية بينما العالم يشاهد كأنه يتابع مسلسلًا فقط؟
نعم يؤلمني. لأننا نحب الحياة، عندنا أحلام وطموحات ونريد أن نحققها. أنا بشر لست مشهدًا عابرًا.
هل الفن هنا مقاومة أم شهادة موثقة على جريمة مستمرة؟
الفن مقاوم، وشهادة، وأرشيف لجرائم الاحتلال. هم يشعرون بغضب كبير لأنهم يعرفون قيمة الفن وتأثيره. الفن لغة الشعوب… ولهذا يخافون منه.
محمد خروات لم يحمل “كيس طحين” أمام الكاميرا فقط… بل حمل ذاكرة الجوع، ورائحة المخيم، وحنين أمٍ لم يعد يعرف متى سيعانقها.
في «صحاب الأرض» لم يكن يؤدي دور نازح، بل كان يثبت أن النزوح ليس مشهدًا يُكتب بل قدرًا يُعاش.
وحين تنتهي الحلقة، وتُطفأ الأضواء، يبقى السؤال معلّقًا في وجه العالم:
كم مرة يجب أن يُعاد تمثيل الألم حتى يُصدّقوه؟

