خاص ـ برق غزة
تتزين أسواق بالكثير من الملابس، عديدة تحمل ماركات من عدة دول يقف سعرها الباهظ حاجزا بين المستهلك والتاجر ، يذكر أن قطاع غزة شهد منذ بدء حرب الإبادة الأخير تحولات اقتصادية دراماتيكية طالت كافة مناحي الحياة، ولم تكن الملابس والأحذية بمنأى عن هذه الأزمة. فبعد أن كانت غزة مركزاً تجارياً حيوياً يضم مئات المصانع والمحلات التجارية، تحول الحصول على قطعة ملابس بسيطة إلى حلم بعيد المنال لغالبية السكان،تعكس هذه الأزمة تداخل العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى قفزات جنونية في الأسعار، مما دفع المواطنين إلى ابتكار سبل بديلة للبقاء على قيد الحياة.
مسببات الأزمة وجذور الارتفاع تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الغلاء الفاحش، ويمكن إجمالها في عدة نقاط محورية تعكس واقع الحصار والدمار:
1-تدمير البنية التحتية التجارية:
استهدفت العمليات العسكرية مئات المستودعات والمحلات التجارية الكبرى في مدينة غزة وشمالها، مما أدى إلى فقدان مخزون هائل من الملابس الموسمية التي كانت تكفي القطاع لسنوات..
2-القيود الصارمة على المعابر:
أدى إغلاق المعابر التجارية لفترات طويلة ومنع دخول “البضائع غير الأساسية” -حسب تصنيف الاحتلال- إلى شح حاد في العرض مقابل طلب متزايد، خاصة مع نزوح مئات الآلاف الذين تركوا أمتعتهم خلفهم..
3-تكاليف النقل والتأمين:
ارتفعت تكاليف شحن البضائع ووصولها إلى مراكز التوزيع داخل القطاع بشكل غير مسبوق نتيجة المخاطر الأمنية العالية وارتفاع أسعار الوقود، بالإضافة إلى ما يعرف بـ “تكاليف التنسيق” التي تفرض أعباءً إضافية على التجار ،وأكد رئيس نقابة الألبسة والأحذية بغزة أن العديد من التجار باتوا عاجزين عن تحمل الأعباء المالية الجديدة،
مشيرًا إلى أن شركات النقل تطلب ما يصل إلى 5000 دولار أمريكي مقابل نقل “المشطاح” الواحد، وهو ما يرفع تكلفة نقل الشاحنة الواحدة (32 مشطاحًا) إلى نحو 160 ألف دولار أمريكي، وهو رقم وصفه بأنه “لا يستوعبه العقل ولا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال”.
الأثر الاجتماعي والإنساني لم يعد الغلاء مجرد رقم في جداول الإحصاء، بل تحول إلى مأساة إنسانية تتجلى في عجز الآباء عن توفير ملابس شتوية لأطفالهم في مراكز النزوح وقد رصدت التقارير الميدانية
ظواهر اجتماعية جديدة تعكس عمق الأزمة، منها:
•سوق الركام:
لجوء بعض المواطنين للبحث بين أنقاض المنازل المدمرة لاستخراج ملابس قديمة وتنظيفها ثم بيعها في الأسواق لتوفير لقمة العيش.
•ازدهار “البالة” بأسعار خيالية:
تحولت الملابس المستعملة (البالة) التي كانت ملاذاً للفقراء إلى سلع باهظة الثمن تفوق قدرة الموظف العادي، حيث تباع القطعة الواحدة بأضعاف سعرها الأصلي قبل الحرب
•المقايضة: برزت ظاهرة مقايضة الملابس بالمواد الغذائية أو المنظفات كأداة اقتصادية بديلة في ظل انعدام السيولة النقدية.
مؤشرات غلاء المعيشة في قطاع غزة
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في قطاع غزة تقلبات حادة تعكس الضغوط التضخمية الهائلة. فبينما سجل شهر كانون ثاني 2025 انخفاضاً مؤقتاً بنسبة 53.27% نتيجة تدفق محدود لبعض المساعدات والفتح الجزئي، عاد المؤشر للارتفاع بشكل حاد في شباط 2026 بنسبة 37.92% نتيجة استمرار حالة عدم الاستقرار وتشديد القيود على المعابر. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة غلاء المعيشة التراكمية في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1996 وحتى عام 2025 بلغت حوالي 284%، مما يعكس تآكلاً مستمراً وخطيراً في القوة الشرائية للمواطنين.
تضاف أزمة غلاء الملابس إلى العديد من الأزمات ،التى أرهقت الغزيين وما زالت حملا ثقيلا على أجسادهم ،إن غلاء الملابس في غزة ليس مجرد نتيجة لعوامل السوق التقليدية، بل هو أداة من أدوات الحصار والتضييق التي تعمق المعاناة الإنسانية،
إن تأمين “حق الكساء والملبس والمأكل” لسكان القطاع، وخاصة الأطفال والنازحين، يمثل ضرورة ملحة تتطلب تكاتف الجهود الإغاثية والحقوقية لكسر قيود الاحتكار والمنع ووضع حدا لكل من يحتكر أبناء شعبه.

