خاص ـ يونس صلاح
يوم الصحافة العالمى يتمثل كما هو الواقع بنقل الحقيقة والتى أحيانا تكلف الصحفي حياته وتحديدا فى فلسطين ،
ويحتفل العالم في الثالث من مايو من كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو يوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون بمثابة تذكير للحكومات بضرورة الوفاء بالتزاماتها تجاه حرية الصحافة، وفرصة للمهنيين العاملين في وسائل الإعلام لتقييم حالة حرية الصحافة في العالم،يهدف هذا اليوم إلى الاحتفاء بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، والدفاع عن وسائل الإعلام من الهجمات التي تستهدف استقلاليتها، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم المهني ،ومع ذلك، يحل اليوم العالمي لحرية الصحافة في السنوات الأخيرة وسط واقع استثنائي وكارثي يعيشه الصحفيون في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة. لقد تحولت فلسطين إلى واحدة من أخطر الأماكن في العالم على حياة الصحفيين، حيث لم تعد حرية الصحافة مجرد شعار يُحتفى به، بل أصبحت معركة يومية تُخاض بالدم والتضحيات في مواجهة انتهاكات واعتداءات مستمرة .
واقع الصحافة في فلسطين:
أرقام صادمة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، شهدت الساحة الإعلامية الفلسطينية ما وُصف بأنه “أكبر حرب إبادة إعلامية عرفتها الإنسانية”. فقد وثقت نقابة الصحفيين الفلسطينيين والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة استشهاد 262 صحفياً وعاملاً في قطاع الإعلام حتى أبريل 2026، هذا الرقم غير المسبوق يعكس حجم الاستهداف المباشر والممنهج للكلمة والصورة.وقد أكدت تقارير دولية هذه الفداحة؛ إذ وثقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مقتل 129 صحفياً على مستوى العالم خلال عام 2025، وهو الرقم الأعلى منذ بدء اللجنة في توثيق الضحايا. والمفارقة الصارخة أن إسرائيل كانت مسؤولة عن مقتل ثلثي هذا العدد، أي حوالي 86 صحفياً، غالبيتهم العظمى من الفلسطينيين الذين كانوا يغطون الأحداث في غزة ، وفي عام 2024، سجلت فلسطين 953 انتهاكاً ضد الحريات الإعلامية، وفقاً لتقرير مركز مدى، هذه الأرقام تؤكد أن الصحفي الفلسطيني أصبح هو “الخبر” بعد أن كان “ناقل الخبر”
التحديات والانتهاكات الممنهجة :
لا يقتصر الاستهداف على القتل المباشر، بل يمتد ليشمل سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي تهدف إلى طمس الحقيقة ومنع وصول الصورة إلى العالم، يواجه الصحفيون الفلسطينيون تحديات جمة تتمثل في الاستهداف المباشر والاغتيال، حيث تحولت الكاميرا والسترة الصحفية من درع حماية إلى هدف مباشر. وقد سُجلت حالات عديدة لاستهداف الصحفيين باستخدام الطائرات المسيرة، حيث نفذت إسرائيل 8 من أصل 39 حالة استهداف للصحفيين بالمسيرات على مستوى العالم في عام 2025 ،بالإضافة إلى ذلك، يتعرض عشرات الصحفيين في الضفة الغربية والقدس للاعتقال التعسفي والملاحقة المستمرة، فضلاً عن التهديدات التي تطال عائلاتهم. كما تم تدمير أكثر من 100 مقر إعلامي في قطاع غزة، مما أدى إلى شلل شبه كامل في قدرة المؤسسات الإعلامية على العمل وتوثيق الأحداث، وتتعمد قوات الاحتلال قطع شبكات الاتصالات والإنترنت بشكل متكرر عن قطاع غزة، مما يعزل الصحفيين عن العالم الخارجي ويصعب مهمتهم في نقل الأخبار العاجلة. وتفرض إسرائيل حظراً صارماً على دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة بشكل مستقل، مما يجعل الصحفيين الفلسطينيين المحليين هم المصدر الوحيد للمعلومات، ويزيد من العبء والمخاطر الملقاة على عاتقهم.
الصحفي الفلسطيني من ناقل للخبر إلى صانع له :
في ظل هذه الظروف القاسية، لم يعد الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للخبر، بل أصبح هو وعائلته جزءاً من الخبر نفسه. لقد دفع الصحفيون أثماناً باهظة، حيث فقد الكثير منهم عائلاتهم ومنازلهم، ومع ذلك استمروا في أداء رسالتهم المهنية من داخل الخيام وتحت القصف.
دعوة للمساءلة والعدالة
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتجه الأنظار إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. إن استمرار سياسة الإفلات من العقاب يشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الصحفيين. يتطلب الوضع الراهن تحركاً عاجلاً لتوفير الحماية الدولية للصحفيين الفلسطينيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم أمام المحاكم الدولية، وضمان حرية العمل الصحفي دون قيود أو تهديدات.إن إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة لا يكتمل دون الوقوف إجلالاً لتضحيات الصحفيين الفلسطينيين الذين يكتبون بدمائهم فصولاً من الحقيقة، مؤكدين للعالم أجمع أن الكلمة الحرة لا تموت، وأن نور الحقيقة سيظل ساطعاً مهما اشتدت حلكة الظلام.

