برق غزة / فلسطين
كتبت: علياء الهواري
في فلسطين لا يبدو الماضي بعيدا، ولا تتحول الذكريات إلى حكايات قديمة كما يحدث في بقية العالم. هناك، ما زالت النكبة تمشي في الشوارع، تدخل البيوت، وتجلس إلى جوار الأمهات اللواتي ينتظرن أبناء لن يعودوا. بعد 78 عاما على تهجير الفلسطينيين من أرضهم، لا تزال المأساة مستمرة، وكأن الزمن توقف عند ذلك اليوم المشؤوم من مايو 1948.النكبة لم تكن مجرد حرب خسرها العرب، كما يحاول البعض اختزالها، بل كانت عملية اقتلاع منظمة لشعب كامل من أرضه وتاريخه. أكثر من 750 ألف فلسطيني أجبروا على ترك مدنهم وقراهم تحت القصف والمجازر، وتحولت مئات القرى إلى أنقاض بعدما محيت من الخرائط تماما، بينما كانت العصابات الصهيونية تمهد لقيام دولة إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية.خرج الناس يومها وهم يعتقدون أن الغياب مؤقت، حملوا مفاتيح بيوتهم وبعض الملابس والوثائق، وتركوا الطعام فوق الموائد على أمل العودة بعد أيام. لكن الأيام تحولت إلى عمر كامل من اللجوء، وتحولت الخيام إلى مخيمات مزدحمة، بينما كبر الأبناء والأحفاد وهم يسمعون عن وطن لم يروه قط.في كل بيت فلسطيني حكاية نكبة خاصة.عائلة فقدت أبناءها في مجزرة، وأخرى طردت من قريتها تحت تهديد السلاح، وأم ماتت وهي تحتفظ بمفتاح بيت لم يعد موجودا. لم تكن المجازر مجرد أحداث عابرة، بل كانت جزءا من خطة لصناعة الخوف ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل الجماعي.دير ياسين، الطنطورة، اللد، الرملة، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا.. أسماء لم تعد مجرد أماكن، بل شواهد دامغة على أن الدم الفلسطيني كان دائما جزءا من تأسيس هذا الاحتلال.لكن ما لم تدركه إسرائيل منذ البداية أن الفلسطيني يمكن أن يخسر بيته، لكنه لا يخسر ذاكرته.لهذا السبب تحديدا فشلت كل محاولات طمس الهوية الفلسطينية.الجدات اللواتي رحلن وهن يرددن أسماء القرى، الأطفال الذين رسموا خريطة فلسطين على جدران المخيمات، واللاجئون الذين احتفظوا بمفاتيح البيوت القديمة لعشرات السنين، كلهم كانوا يقاومون بطريقة مختلفة: مقاومة النسيان.اليوم، وبعد مرور عقود طويلة، يبدو المشهد أكثر قسوة.غزة التي تعيش حربا مدمرة منذ شهور، تعيد إنتاج النكبة بصورة مرعبة. مشاهد النزوح الجماعي، الأطفال الهاربون تحت القصف، العائلات التي تحمل ما تبقى من حياتها وتسير في الطرقات، كلها صور تشبه ما حدث عام 1948، لكن أمام كاميرات العالم هذه المرة.هناك في غزة، لا يحتاج الفلسطيني إلى قراءة التاريخ حتى يفهم معنى النكبة.يكفي أن ينظر حوله.بيوت مدمرة، أحياء اختفت بالكامل، مستشفيات خرجت عن الخدمة، وعائلات شطبت من السجل المدني كأنها لم تكن موجودة يوما. حتى البحر الذي كان متنفسا أخيرا لأهل غزة، تحول إلى حدود مغلقة تطوقهم من كل اتجاه.ورغم هذا الدمار كله، ما زال العالم يتحدث بلغة باردة عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بينما يبدو الفلسطيني وكأنه مطالب دائما بتبرير موته.النكبة الحقيقية ليست فقط في القتل والتهجير، بل في هذا الصمت الدولي الطويل، وفي محاولة تحويل المأساة الفلسطينية إلى خبر عادي يفقد تأثيره مع الوقت.لقد نجحت إسرائيل لعقود في تصدير نفسها للعالم باعتبارها الضحية، بينما كان الفلسطيني يدفن أبناءه بعيدا عن عدسات الإعلام. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولا كبيرا، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت الرواية الفلسطينية مباشرة من قلب الحدث.العالم بدأ يرى ما يحدث بعيدا عن الروايات الرسمية.أطفال تحت الأنقاض، صحفيون يقتلون أثناء عملهم، ومستوطنون يقتحمون القرى ويحرقون المنازل تحت حماية الجيش. كل ذلك جعل صورة الاحتلال أكثر وضوحا من أي وقت مضى.في الضفة الغربية، يعيش الفلسطيني يوميا تحت ضغط الاقتحامات والحواجز والاعتقالات. أما القدس، فتواجه محاولات مستمرة لتغيير هويتها وتهجير سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.وكأن النكبة لم تنته أبدا، بل تغيرت أشكالها فقط.وربما لهذا السبب يتمسك الفلسطيني بحقه في العودة أكثر من أي وقت مضى. لأن العودة بالنسبة له ليست مجرد انتقال إلى مكان، بل استعادة حياة كاملة سرقت منه بالقوة.حتى الأطفال الذين ولدوا في مخيمات اللجوء، ويحملون جنسيات مختلفة، ما زالوا يعرفون أسماء قراهم الأصلية ويحفظون الحكايات التي رواها الأجداد. وكأن فلسطين لم تعد مجرد وطن، بل ذاكرة جماعية يعيش بداخلها ملايين الفلسطينيين أينما ذهبوافي ذكرى النكبة، لا يطلب الفلسطيني الكثير من العالم.لا يريد خطابات التعاطف ولا بيانات القلق، بل يريد اعترافا واضحا بالحقيقة: أن هناك شعبا اقتلع من أرضه وما زال حتى اليوم يدفع ثمن تمسكه بحقه في وطنه.ثمانية وسبعون عاما مرت، لكن المشهد لم يتغير كثيرا.ما زالت الخيام موجودة، وما زال القصف مستمرا، وما زالت الأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الركام، وما زالت فلسطين تنزف أمام عالم يتقن المشاهدة أكثر مما يتقن العدالة.ومع ذلك، لم يمت الحلم الفلسطيني.وربما كانت هذه هي الهزيمة الحقيقية التي لم يستطع الاحتلال تجاوزها حتى الآن: أن يبقى شعب كامل، رغم كل ما تعرض له، مؤمنا بأن له وطنا سيعود إليه يوما، مهما طال الزمن ومهما اتسعت المسافة بين المخيم والبيت القديم.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

