بقلم: يونس صلاح
واقع مؤلم يعيشه الغزيون وسط كلاما يقال عن بدء المرحلة الثانية، ولكن على أرض الواقع هناك مجازر أكثر
في غزة، تبدو كلمة «هدنة» بعيدة عن واقع الناس. تُعقد الاجتماعات، وتتكرر التصريحات عن وقف إطلاق النار، وتتصاعد الأحاديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بينما لا تزال أصوات القصف تصل إلى أحياء القطاع، وتسقط الضحايا في أماكن يفترض أن تكون بعيدة عن الحرب.
خلال الأيام الأخيرة، استمرت الغارات الإسرائيلية رغم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ودفع المفاوضات نحو المرحلة الثانية. وفي 18 أغسطس/آب، قُتل ستة فلسطينيين وأصيب 14 آخرون في غارة استهدفت مقهى في منطقة ميناء غزة، بحسب ما نقلته رويترز عن مسعفين.
المشهد في غزة يحمل مفارقة مؤلمة: على طاولة المفاوضات حديث عن السلام، وعلى الأرض حديث آخر تكتبه الصواريخ والدماء. فبينما تتحدث الأطراف والوسطاء عن ترتيبات المرحلة المقبلة، يعيش الفلسطينيون في القطاع تحت تهديد القصف، وسط واقع إنساني شديد القسوة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المفاوضات بشأن المرحلة الثانية لا تزال تواجه خلافات أساسية، خصوصاً حول نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وترتيبات إدارة القطاع وإعادة الإعمار.
أما المواطن الغزي، فلا تعنيه كثيراً المصطلحات السياسية إذا لم تتحول إلى أمان حقيقي. ما يراه هو منزل مهدّم، وخيمة لا تحمي من الصواريخ، وأطفال يرتجفون مع كل انفجار، وعائلات تنتظر خبراً عن أب أو أم أو ابن خرج ولم يعد.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وثقت مصادر صحية فلسطينية سقوط أكثر من 1,200 شهيد منذ بدء الهدنة، إلى جانب آلاف الإصابات، في مؤشر على أن الهدوء المعلن لم يتحول إلى توقف كامل للقتل.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم عن «المرحلة الثانية»، تبدو غزة وكأنها عالقة في المرحلة الأولى من الألم: القصف، النزوح، الخوف، فقدان الأحبة، وانهيار ما تبقى من مقومات الحياة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: متى تبدأ المرحلة الثانية؟
بل: متى يصبح وقف إطلاق النار وقفاً حقيقياً؟
فغزة لا تحتاج إلى هدنة تُكتب في البيانات، ولا إلى وعود جديدة تُضاف إلى عشرات الوعود السابقة. غزة تحتاج إلى أن يتوقف صوت القصف، وأن تتوقف المجازر، وأن يتمكن الناس من العودة إلى حياة لا يخافون فيها من الموت في كل لحظة.
هناك، خلف شاشات المفاوضات، شعب ينتظر شيئاً بسيطاً جداً: أن يعيش بكرامة وأن يتوقف سيل الدماء.

