بقلم: يونس صلاح
في توقيت شديد الحساسية وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات الإسرائيلية، جاءت حادثة طائرة «فلاي دبي» لتفتح بابًا واسعًا أمام بنيامين نتنياهو لإعادة الأمن والخوف والتهديدات إلى صدارة المشهد السياسي، بعدما تحولت واقعة داخل قمرة القيادة إلى حديث سياسي يتجاوز حدود الطائرة وما جرى على متنها.
الحادثة بحد ذاتها لا تزال محاطة بالتحقيقات، ولذلك فإن ربطها منذ اللحظة الأولى بعملية منظمة أو بجهة سياسية محددة يبقى أمرًا غير محسوم، لكن اللافت كان سرعة انتقالها من حادث أمني إلى مادة سياسية، خصوصًا أنها جاءت بعد تحذيرات نتنياهو من مخاطر قد تستهدف الإسرائيليين خلال الفترة التي تسبق الانتخابات.
هنا تبدو أهمية التوقيت أكثر من تفاصيل الحادث نفسه، فنتنياهو وجد في الواقعة مساحة لإعادة تقديم الخطاب الأمني باعتباره القضية المركزية أمام الناخب الإسرائيلي، في محاولة لإبقاء سؤال الحماية والتهديدات في مقدمة النقاش العام، بعيدًا عن الملفات السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تشكل محورًا أساسيًا في أي انتخابات.
غير أن وقوع حادث أمني بعد تحذير سياسي لا يعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الأمرين، كما أن الحادثة وحدها لا تقدم دليلًا مكتملًا على صحة كل ما قيل قبلها، وهي النقطة التي فتحت باب السجال بين نتنياهو ومعارضيه حول طبيعة التحذيرات التي سبقت الواقعة وما إذا كانت مرتبطة فعلًا بما حدث على متن الطائرة.
ومن هنا ظهر ما يمكن وصفه بـ«خدعة فلاي دبي» باعتبارها خدعة في توظيف الحدث سياسيًا، وليس بمعنى أن الحادثة نفسها مختلقة، إذ لا توجد معطيات تتيح القول إن الواقعة لم تحدث، وإنما يتعلق الأمر بكيفية تحويل حادث لم تكتمل التحقيقات بشأنه إلى جزء من رواية انتخابية أوسع.
فالسياسة الإسرائيلية اعتادت أن تجعل الأمن حاضرًا بقوة في لحظات الانتخابات، وحين يقع حادث يحمل أبعادًا أمنية في هذه الفترة يصبح من السهل إدخاله في الخطاب السياسي، خصوصًا عندما يستطيع كل طرف تفسيره بطريقة تخدم روايته أمام الجمهور.
نتنياهو يستطيع تقديم الحادث باعتباره تذكيرًا بأن المخاطر لم تنته، وأن الحديث عن الأمن لا يمكن فصله عن القيادة السياسية، بينما ترى المعارضة أن تحويل حادث قيد التحقيق إلى دليل سياسي واسع يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، لأن الوقائع النهائية لا تزال غير مكتملة.
المسألة هنا ليست الطائرة وحدها، وإنما المعركة على تفسير الخطر نفسه، فمن يملك القدرة على إقناع الجمهور بأن ما حدث جزء من تهديد أوسع سيملك مساحة أكبر لإعادة الأمن إلى واجهة الخطاب الانتخابي، بينما يحاول خصوم نتنياهو منع تحويل كل حادث أمني إلى رصيد سياسي مباشر.
ولهذا فإن التعامل مع حادثة «فلاي دبي» يحتاج إلى الفصل بين ثلاثة أمور، الواقعة نفسها، وما ستكشفه التحقيقات بشأن دوافعها، ثم الطريقة التي تستخدم بها سياسيًا خلال الانتخابات، لأن الخلط بين هذه المستويات يمكن أن يحول حادثًا غامضًا إلى رواية مكتملة قبل أن تظهر الأدلة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، ستظل مثل هذه الأحداث قابلة للدخول في المعركة السياسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأمن الإسرائيليين وحركة الطيران والسفر، وهي ملفات قادرة على إعادة تشكيل النقاش العام بسرعة.
في النهاية، قد تكون حادثة «فلاي دبي» واقعة أمنية منفصلة، وقد تكشف التحقيقات لاحقًا عن خلفيات أكثر تعقيدًا، لكن المؤكد أن الطائرة أصبحت جزءًا من السجال الانتخابي قبل أن تُغلق ملفات التحقيق فيها، وهنا تكمن المفارقة الأبرز، فالطائرة التي اضطرت إلى تغيير مسارها في السماء غيّرت أيضًا مسار الحديث السياسي على الأرض، وأعادت الأمن والخوف إلى قلب الانتخابات.

